قَالَ تَعَالَى: (إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (٣٨) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (٣٩) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى (٤٠)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِذْ أَوْحَيْنَا) : هُوَ ظَرْفٌ لِمَنَنَّا.
(أَنِ اقْذِفِيهِ) : يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ (أَنْ) مَصْدَرِيَّةً بَدَلًا مِنْ (مَا يُوحَى)، أَوْ عَلَى تَقْدِيرِ: هُوَ أَنِ اقْذِفِيهِ ; وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى: أَيْ. (فَلْيُلْقِهِ) : أَمْرٌ لِلْغَائِبِ. وَ (مِنِّي) : تَتَعَلَّقُ بِأَلْقَيْتُ ; وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ نَعْتًا لِـ «مَحَبَّةً». وَ (لِتُصْنَعَ) : أَيْ لِتُحَبَّ وَلِتُصْنَعَ.
وَيُقْرَأُ عَلَى لَفْظِ الْأَمْرِ ; أَيْ لِيَصْنَعَكَ غَيْرُكَ بِأَمْرِي.
وَيُقْرَأُ بِكَسْرِ اللَّامِ وَفَتْحِ التَّاءِ وَالْعَيْنِ ; أَيْ لِتَفْعَلَ مَا آمُرُكَ بِمَرْأًى مِنِّي.
(إِذْ تَمْشِي) : يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِأَحَدِ الْفِعْلَيْنِ، وَأَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْ «إِذْ» الْأُولَى ; لِأَنَّ مَشْيَ أُخْتِهِ كَانَ مِنَّةً عَلَيْهِ ; وَأَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: اذْكُرْ إِذْ تَمْشِي.
وَ (فُتُونًا) : مَصْدَرٌ مِثْلَ الْقُعُودِ ; وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَمْعًا، تَقْدِيرُهُ: بِفُتُونٍ كَثِيرَةٍ، أَيْ بِأُمُورٍ تُخْتَبَرُ بِهَا. وَ (عَلَى قَدَرٍ) : حَالٌ ; أَيْ مُوَافِقًا لِمَا قُدِّرَ لَكَ.
قَالَ تَعَالَى: (قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (٤٥)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنْ يَفْرُطَ) : الْجُمْهُورُ عَلَى فَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الرَّاءِ ; فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا مِنْهُ قَوْلٌ ; فَأَضْمَرَ الْقَوْلَ لِدَلَالَةِ الْحَالِ عَلَيْهِ، كَمَا تَقُولُ:
فَرَطَ مِنِّي قَوْلٌ. وَأَنْ يَكُونَ الْفَاعِلُ ضَمِيرَ فِرْعَوْنَ، كَمَا كَانَ فِي «يَطْغَى».
قَالَ تَعَالَى: (قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى) : أَيْ وَهَارُونُ، فَحُذِفَ لِلْعِلْمِ بِهِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ طَلَبَ الْإِخْبَارَ مِنْ مُوسَى وَحْدَهُ ; إِذْ كَانَ هُوَ الْأَصْلَ ; وَلِذَلِكَ قَالَ: «قَالَ رَبُّنَا الَّذِي». وَ (خَلْقَهُ) : مَفْعُولٌ أَوَّلُ، وَ (كُلَّ شَيْءٍ) : ثَانٍ ; أَيْ أَعْطَى مَخْلُوقَهُ كُلَّ شَيْءٍ.
وَقِيلَ: هُوَ عَلَى وَجْهِهِ، وَالْمَعْنَى: أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ مَخْلُوقٍ خَلْقَهُ ; أَيْ هُوَ الَّذِي ابْتَدَعَهُ. وَيُقْرَأُ «خَلَقَهُ» عَلَى الْفِعْلِ ; وَالْمَفْعُولُ الثَّانِي مَحْذُوفٌ لِلْعِلْمِ بِهِ.
قَالَ تَعَالَى: (قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (عِلْمُهَا) : مُبْتَدَأٌ، وَفِي الْخَبَرِ عِدَّةُ أَوْجُهٍ ; أَحَدُهَا: «عِنْدَ رَبِّي»، وَ «فِي كِتَابٍ» عَلَى هَذَا مَعْمُولُ الْخَبَرِ، أَوْ خَبَرٌ ثَانٍ، أَوْ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي «عِنْدَ». وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ «فِي كِتَابٍ»، وَ «عِنْدَ» حَالٌ، وَالْعَامِلُ فِيهَا الظَّرْفُ الَّذِي بَعْدَهَا عَلَى قَوْلِ الْأَخْفَشِ. وَقِيلَ: يَكُونُ حَالًا مِنَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ فِي «عِلْمُهَا». وَقِيلَ: يَكُونُ ظَرْفًا لِلظَّرْفِ الثَّانِي. وَقِيلَ: هُوَ ظَرْفٌ لِلْعِلْمِ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الظَّرْفَانِ خَبَرًا وَاحِدًا، مِثْلُ هَذَا حُلْوٌ حَامِضٌ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «فِي كِتَابٍ» مُتَعَلِّقًا بِعِلْمِهَا، وَ «عِنْدَ» الْخَبَرُ ; لِأَنَّ الْمَصْدَرَ لَا يَعْمَلُ فِيمَا بَعْدَ خَبَرِهِ.
(لَا يَضِلُّ) : فِي مَوْضِعِ جَرِّ صِفَةٍ لِكِتَابٍ، وَفِي التَّقْدِيرِ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا: لَا يُضِلُّ رَبِّي عَنْ حِفْظِهِ. وَالثَّانِي: لَا يَضِلُّ الْكِتَابُ رَبِّي ; أَيْ عَنْهُ ; فَيَكُونُ (رَبِّي) مَفْعُولًا.
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء محبّ الدين عبد الله بن الحسين بن عبد الله العكبريّ البغدادي