ﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃ

قال إبراهيم عليه السلام : بل فعله كبيرُهُم هذا ، غار أن يُعبدوا معه، مشيرًا إلى الذي لم يكسره. وعن الكسائي : أنه يقف على بل فعله أي : فعله من فعله، ثم ابتدأ : كبيرهم هذا يُخبركم فسلوه. . . الخ، والأكثر : أنه لا وقف، والفاعل : كبيرهم. و " هذا " : بدل، أو وصف، ونسبَ الفعل إلى كبيرهم، وقصده تقريره لنفسه وإسناده لها، على أسلوب تعريضي ؛ تبكيتًا لهم، وإلزامًا للحجة عليهم، لأنهم إذا نظروا النظر الصحيح عَلِموا عجز كبيرهم، وأنه لا يصلح للألوهية، وهذا كما لو كتبت كتابًا بخط أنيق، وأنت شهير بحسن الخط، ومعك صاحب أُميّ، فقال لك قائل : أأنت كتبت هذا ؟ فتقول : بل كتبه هذا، وهو يعلم أنه أُميّ لا يُحسن الكتابة، فهو تقرير لإثبات الكتابة لك على أبلغ وجه.
قال الكواشي : ومن الجائز أن يكون أَذِنَ الله تعالى له في ذلك كما أَذِنَ ليوسف حين نادى على إخوته : إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ [ يُوسُف : ٧٠ ]، ولم يكونوا سارقين ؛ لِمَا في ذلك من المصلحة ؛ لأنهم إذا نظروا النظر الصحيح، وسألوا عَلِمُوا أن كبيرهم لم يفعل شيئًا، وأنه عاجز عن النطق، فضلاً عن الفعل، فلا يجوز أن يُعبد، ولا يستحق العبادة إلا القادر الفعال. ه.
وقيل : اسند الفعل إلى كبيرهم ؛ لأنه الحامل له على كسرها، حيث رآه يُعظَّم أكثر منها، ويُعبد من دون الله، فاشتد غضبه حتى كسرها، وهو بعيد ؛ إذ لو كان كذلك لكسره أولاً، فتحصل أنه عليه السلام إنما قصد التعريض بعبادتهم، لا الإخبار المحض، حتى يكون كذبًا. فإن قلت : قد ورد في الحديث أن إبراهيم كذب ثلاث كذبات ؟١ فالجواب : أن معنى ذلك : أنه قال قولاً ظاهره الكذب، وإن كان القصد به معنى آخر. قاله ابن جزي.
ثم قال لهم : فاسْألوهم عن حالهم، إِن كانوا ينطقون فتجيبكم بمن كسرهم، وأنتم تعلمون عجزهم عنه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : من أراد أن يكون إبراهيميًا حنيفيًا فليكسر أصنام نفسه، وهي ما كانت تهواه وتميل إليه من الحظوظ النفسانية والشهوات الجسمانية، حتى تنقلب حقوقًا ربانية، فحينئذ يريه الحق ملكوتَ السماواتِ والأرض، ويكون من الموقنين، وأمُّ الشهوات : حب الدنيا، ورأسها : حب الرئاسة والجاه، وأكبر الأصنام : وجودك الحسي، فلا حجاب أعظم منه، ولذلك قيل :
وُجودُكَ ذَنْبٌ لاَ يُقَاسُ بِهِ ذَنْبُ ****...
فإن غبتَ عنه، وكسرته، غابت عنك جميعُ العوالم الحسية، وشهدت أسرار المعاني القدسية، فشهدت أسرار الذات وأنوار الصفات، وإلى هذا المعنى أشار ابن العريف رضي الله عنه بقوله :

بَدَا لَكَ سِرٌّ طَالَ عَنْكَ اكْتتَامُهُ وَلاَحَ صَبَاحُ كُنْتَ أنْتَ ظَلاَمُهُ
فَأنْتَ حِجَابُ القَلْبِ عَنْ سِرِّ غَيبهِ وَلَوْلاَكَ لَمْ يُطْبَعْ عَلَيْهِ خِتَامُهُ
فَإنْ غِبْتَ عَنْهُ حَلَّ فِيهِ وَطَنَّبَتْ عَلَى مَوْكبِ الكَشْفِ المصُونِ خِيَامُهُ
وَجَاء حَدِيثٌ لا يُمَلُّ سَمَاعُهُ شَهِيٌّ إليْنَا نَثْرُهُ وَنِظَامُهُ
إذَا سَمِعَتْهُ النَّفْسُ طَابَ نَعِيمُهَا وَزَالَ عَنِ القَلْبِ المُعَنَّى غَرامُهُ
فالغيبة عن وجود العبد فناء، والرجوع إليه لوظائف العبودية بقاء، وإليه الإشارة بقوله تعالى : إلا كبيرًا لهم لعلهم إليه يَرجعون أي : إلا كبير الأصنام، وهو وجودك الوهمي، فلا ينبغي الغيبة عنه بالكلية حتى يترك وظائف العبودية والقيام بحقوق البشرية، فإنَّ هذا اصطلام، بل ينبغي ملاحظته، لعله يقع الرجوع إليه في مقام البقاء، والله تعالى أعلم.

١ أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء باب ٨..

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير