قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٢٣)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يُحَلَّوْنَ) : يُقْرَأُ بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّحْلِيَةِ بِالْحُلِيِّ.
وَيُقْرَأُ بِالتَّخْفِيفِ مِنْ قَوْلِكَ: أُحْلِيَ: أُلْبِسَ الْحُلِيَّ، وَهُوَ مِنْ حَلِيَتِ الْمَرْأَةُ تَحْلَى ; إِذَا لَبِسَتِ الْحُلِيَّ ; وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ حَلِيَ بِعَيْنَيَّ كَذَا ; إِذَا حَسُنَ. وَتَكُونُ «مِنْ» زَائِدَةٌ، أَوْ يَكُونُ الْمَفْعُولُ مَحْذُوفًا.
وَ (مِنْ أَسَاوِرَ) : نَعْتٌ لَهُ. وَقِيلَ: هُوَ مِنْ حَلَيْتُ بِكَذَا، إِذَا ظَفِرْتُ بِهِ.
وَ (مِنْ ذَهَبٍ) : نَعْتٌ لِأَسَاوِرَ.
(وَلُؤْلُؤًا) : مَعْطُوفٌ عَلَى أَسَاوِرَ، لَا عَلَى ذَهَبٍ ; لِأَنَّ السُّوَارَ لَا يَكُونُ مِنْ لُؤْلُؤٍ فِي الْعَادَةِ، وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ حُلِيًّا.
وَيُقْرَأُ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى مَوْضِعِ مِنْ أَسَاوِرَ.
وَقِيلَ: هُوَ مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: وَيُعْطَوْنَ لُؤْلُؤًا.
وَالْهَمْزُ أَوْ تَرْكُهُ لُغَتَانِ قَدْ قُرِئَ بِهِمَا.
قَالَ تَعَالَى: (وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ (٢٤)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنَ الْقَوْلِ) : هُوَ حَالٌ مِنَ الطَّيِّبِ، أَوْ مِنَ الضَّمِيرِ فِيهِ.
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٥))
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَيَصُدُّونَ) : حَالٌ مِنَ الْفَاعِلِ فِي «كَفَرُوا» وَقِيلَ: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْمَعْنَى ; إِذِ التَّقْدِيرُ: يَكْفُرُونَ وَيَصُدُّونَ، أَوْ كَفَرُوا وَصَدُّوا ;
وَالْخَبَرُ عَلَى هَذَيْنِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: مُعَذَّبُونَ، دَلَّ عَلَيْهِ آخِرُ الْآيَةِ. وَقِيلَ: الْوَاوُ زَائِدَةٌ، وَهُوَ الْخَبَرُ.
وَ (جَعَلْنَاهُ) : يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ ; فَالضَّمِيرُ هُوَ الْأَوَّلُ، وَفِي الثَّانِي ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ; أَحَدُهَا: «لِلنَّاسِ» وَقَوْلُهُ تَعَالَى: «سَوَاءً» خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وَمَا بَعْدَهُ الْمُبْتَدَأُ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ إِمَّا مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي هُوَ الْهَاءُ، أَوْ مِنَ الضَّمِيرِ فِي الْجَارِّ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ «لِلنَّاسِ» حَالًا، وَالْجُمْلَةُ بَعْدَهُ فِي مَوْضِعِ الْمَفْعُولِ الثَّانِي.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْمَفْعُولُ الثَّانِي «سَوَاءً» عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ نَصَبَ، وَ «الْعَاكِفُ» : فَاعِلُ «سَوَاءً».
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «جَعَلَ» مُتَعَدِّيًا إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ ; وَ «لِلنَّاسِ» حَالٌ، أَوْ مَفْعُولٌ تَعَدَّى إِلَيْهِ بِحَرْفِ الْجَرِّ.
وَقُرِئَ «الْعَاكِفِ» بِالْجَرِّ عَلَى أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ النَّاسِ، وَ «سَوَاءً» عَلَى هَذَا نَصْبٌ لَا غَيْرَ.
وَ (مَنْ يُرِدْ) : الْجُمْهُورُ عَلَى ضَمِّ الْيَاءِ مِنَ الْإِرَادَةِ.
وَيُقْرَأُ شَاذًّا بِفَتْحِهَا مِنَ الْوُرُودِ ; فَعَلَى هَذَا يَكُونُ «بِإِلْحَادٍ» حَالًا ; أَيْ مُتَلَبِّسًا بِإِلْحَادٍ، وَعَلَى الْأَوَّلِ تَكُونُ الْبَاءُ زَائِدَةً. وَقِيلَ: الْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ ; أَيْ تَعَديا بإلحاد
و بظُلْم بدل بِإِعَادَة الْجَار وَقيل هُوَ حَال أَيْضا أَيْ إِلْحَادًا ظَالِمًا. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: إِلْحَادًا بِسَبَبِ الظُّلْمِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِذْ بَوَّأْنَا) : أَيِ اذْكُرْ، وَ «مَكَانَ الْبَيْتِ» : ظَرْفٌ ; وَاللَّامُ فِي لِإِبْرَاهِيمَ زَائِدَةٌ ; أَيْ أَنْزَلْنَاهُ مَكَانَ الْبَيْتِ ; وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ) [يُونُسَ: ٩٣] وَقِيلَ: اللَّامُ غَيْرُ زَائِدَةٍ، وَالْمَعْنَى: هَيَّأْنَا.
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء محبّ الدين عبد الله بن الحسين بن عبد الله العكبريّ البغدادي