قَالَ تَعَالَى: (الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلَى الصِّفَةِ، أَوِ الْبَدَلِ، أَوْ عَلَى إِضْمَارِ أَعْنِي. وَأَنْ يَكُونَ رَفْعًا عَلَى تَقْدِيرِهِ: «هُمْ»
وَ (وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ) : الْجُمْهُورُ عَلَى الْجَرِّ بِالْإِضَافَةِ. وَقَرَأَ الْحَسَنُ بِالنَّصْبِ، وَالتَّقْدِيرُ: وَالْمُقِيمِينَ، فَحَذَفَ النُّونَ تَخْفِيفًا لَا لِلْإِضَافَةِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالْبُدْنَ) : هُوَ جَمْعُ بَدَنٍ، وَوَاحِدَتُهُ بَدَنَةٌ، مِثْلَ خَشَبَةٍ وَخَشَبٍ ; وَيُقَالُ هُوَ جَمْعُ بَدَنَةٍ، مِثْلَ ثَمَرَةٍ وَثَمَرٍ. وَيُقْرَأُ بِضَمِّ الدَّالِ مِثْلَ ثُمُرٍ.
وَالْجُمْهُورُ عَلَى النَّصْبِ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أَيْ وَجَعَلْنَا الْبُدْنَ. وَيُقْرَأُ بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ.
وَ (لَكُمْ) أَيْ مِنْ أَجْلِكُمْ، فَيَتَعَلَّقُ بِالْفِعْلِ.
وَ (مِنْ شَعَائِرِ) : الْمَفْعُولُ الثَّانِي.
(لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ) : الْجُمْلَةُ حَالٌ.
(صَوَافَّ) : حَالٌ مِنَ الْهَاءِ ; أَيْ بَعْضُهَا إِلَى جَنْبِ بَعْضٍ.
وَيُقْرَأُ «صَوَافِنَ» وَاحِدُهُ صَافِنٌ ; وَهُوَ الَّذِي يَقُومُ عَلَى ثَلَاثٍ، وَعَلَى سُنْبُكِ الرَّابِعَةِ، وَذَلِكَ يَكُونُ إِذَا عُقِلَتِ الْبَدَنَةُ.
وَيَقْرَأُ «صَوَافِيَ» أَيْ خَوَالِصَ لِلَّهِ تَعَالَى.
وَيُقْرَأُ بِتَسْكِينِ الْيَاءِ ; وَهُوَ مِمَّا سُكِّنَ فِي مَوْضِعِ النَّصْبِ مِنَ الْمَنْقُوصِ.
(الْقَانِعَ) : بِالْأَلِفِ، مِنْ قَوْلِكَ: قَنِعَ بِهِ ; إِذَا رَضِيَ بِالشَّيْءِ الْيَسِيرِ.
وَيُقْرَأُ بِغَيْرِ أَلِفٍ، مِنْ قَوْلِكَ: قَنَعَ قُنُوعًا ; إِذَا سَأَلَ.
وَ (الْمُعْتَرَّ) : الْمُعْتَرِضُ. وَيُقْرَأُ الْمُعْتَرِيَ بِفَتْحِ الْيَاءِ، وَهُوَ فِي مَعْنَاهُ يُقَالُ: عَرَّهُمْ وَاعْتَرَّهُمْ وَعَرَاهُمْ وَاعْتَرَاهُمْ ; إِذَا تَعَرَّضَ بِهِمْ لِلطَّلَبِ.
(كَذَلِكَ) : الْكَافُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: سَخَّرْنَاهُمْ تَسْخِيرًا مِثْلَ مَا ذَكَرْنَا.
قَالَ تَعَالَى: (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (٣٧)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ) : الْجُمْهُورُ عَلَى الْيَاءِ ; لِأَنَّ اللُّحُومَ وَالدِّمَاءَ جَمْعُ تَكْسِيرٍ ; فَتَأْنِيثُهُ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، وَالْفَصْلُ بَيْنَهُمَا حَاصِلٌ.
وَيُقْرَأُ بِالتَّاءِ ; وَكَذَلِكَ «يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ».
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (٣٨)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ) : يُقْرَأُ بِغَيْرِ أَلِفٍ، وَبِالْأَلِفِ ; وَهُمَا سَوَاءٌ.
وَيُقَالُ: إِنَّ الْأَلِفَ تَدَلُّ عَلَى أَنَّ الْمُدَافَعَةَ تَكُونُ بَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَبَيْنَ مَنْ يَقْصِدُ أَذَى الْمُؤْمِنِينَ.
قَالَ تَعَالَى: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أُذِنَ) : يُقْرَأُ عَلَى تَسْمِيَةِ الْفَاعِلِ، وَعَلَى تَرْكِ تَسْمِيَتِهِ، وَكَذَلِكَ «يُقَاتَلُونَ» وَالتَّقْدِيرُ: أُذِنَ لَهُمْ فِي الْقِتَالِ بِسَبَبِ تَوْجِيهِ الظُّلْمِ إِلَيْهِمْ.
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء محبّ الدين عبد الله بن الحسين بن عبد الله العكبريّ البغدادي