ﯴﯵﯶﯷﯸ

قال رب انصرني بما كذبون ( ٣٩ ) :
سبحان الله، كأن تاريخ الرسالات يعيد نفسه مع المكذبين، وكأنه ( أكلشيه ) ثابت على ألسنة الرسل : اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، فيتهمونه ويكذبونه ويقولون : ما أنت إلا بشر مثلنا، فتأتي النهاية واحدة : رب انصرني بما كذبون، يعني : أبدلني بتكذيبهم نصرا.
هذه قولة هود- عليه السلام- حين كذبه قومه، وقولة نوح، وقولة كل نبي كذبه قومه، لأن الرسول حين يكذب من المرسل إليهم لا يفزع إلا إلى من أرسله، لأن من أرسله وعده بالنصرة والتأييد : وإن جندنا لهم الغالبون ( ١٧٣ ) [ الصافات ].
وقال : ولينصرن الله من ينصره.. ( ٤٠ ) [ الحج ].
وقال سبحانه : ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين ( ١٧١ ) إنهم لهم المنصورون ( ١٧٢ ) [ الصافات ].
فالمعنى : انصرني لأنك أرسلتني، وقد كذبني القوم بعد أن استنفذت في دعوتهم كل أسبابي، ولم يعد لي بهم طاقة، ولم يعد لي إلا معونتك، والإنسان حين يستنفذ كل الأسباب التي منحه الله إياها دون أن يصل إلى غايته فقد أصبح مضطرا داخلا في قوله سبحانه : أمن يجيب المضطر إذا دعاه.. ( ٦٢ ) [ النمل ].
إذن : لا تلجأ إلى الله إلا بعد أن تؤدي ما عليك أولا، وتفرغ كل ما في طاقتك في سبيل غايتك، لكن لا تقعد عن الأسباب وتقول : يا رب فالأرض أمامك والفأس في يدك ومعك عافية وقدرة، فاعمل واستنفذ أسبابك أولا حتى تكون في جانب المضطر الذي يجيب الله دعاءه.
لذلك نسمع كثيرا من يقول : دعوت الله ولم يستجب لي، ونقول له : أنت لم تدع بدعاء المضطر، أنت تدعو بدعاء من في يده الأسباب ولكنه تكاسل عنها، لذلك لا يستجاب لك.
وهذه نراها حتى مع البشر، ولله تعالى المثل الأعلى : هب أنك صاحب مال وتجارة وجاءتك بضاعة من الجمرك مثلا، وجلست تراقب العمال وهم يدخلونها المخازن، فليس من مهامك الحمل والتخزين فهذه مهمة العمال، لكن هب أنك وجدت عاملا ثقل عليه حمله وكاد الصندوق أن يوقعه على الأرض، ماذا يكون موقفك ؟ لا شك أنك ستفزع إليه وتأخذ بيده وتساعده، لأنه فعل كل ما في وسعه، واستفرغ كل أسبابه وقواه، فلم تضن أنت عليه بالعون.
كذلك ربك- عز وجل- يريد منك أن تؤدي ما عليك ولا تدعه لشيء قد جعل لك فيه أسبابا، لأن الأسباب يد الله الممدودة لخلقه، فلا ترد يد الله بالأسباب لتطلب الذات بلا أسباب.
لذلك جاء قول الرسل الذين كذبوا : رب انصرني.. ( ٣٩ ) [ المؤمنون ] : ليس وأنا قاعد متخاذل متهاون، ولكن بما كذبون ( ٣٩ ) [ المؤمنون ] : يعني : فعلت كل ما في وسعي، ولم يعد لي بهم طاقة.

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير