يحب أن تشيع الفواحش في المؤمنين، إنما ذلك عادة المنافقين.
ثم اللعن في الدنيا هو الحد الذي ضرب، وفي الآخرة العذاب الأليم في الدنيا والآخرة، وعظيم كأنه ذكر اللعن والعذاب الأليم إذا لم يتوبوا، وماتوا على النفاق، فعند ذلك يكون لهم ما ذكر؛ ويدل لما ذكرنا أن الآية في المنافقين قوله: (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ... (٢٤)، الآية. وإنَّمَا تشهد هذه الجوارح على الكافر لإنكاره باللسان، وأمَّا المؤمن فإنه مقر بذلك كله لا يحتاج إلى أن تشهد عليه الجوارح، وهو ما قال: (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ...) الآية، ونحوه، كأنهم ينكرون ذلك في الآخرة كما أنكروا في الدنيا كقوله: (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ)، أخبر أنهم يحلفون لله في الآخرة كما كانوا يحلفون لرسول اللَّه في الدنيا، فجائز: أن ألسنتهم تشهد عليهم بعد ما أنكروا، وتشهد عليهم سائر الجوارح إذا أنكروا، وهو ما قال في آية أخرى: (شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ...) الآية.
(وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا...) الآية، تكون شهادة الألسن بعد ما أنكروا هم ذلك، وحلفوا؛ فعند ذلك تشهد عليهم ألسنتهم، واللَّه أعلم.
وقوله: (يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥) يؤمنون به جميعًا يومئذ، ويقرون بالحق، لكن لا ينفعهم إيمانهم يومئذ؛ كقوله: (لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا)، (وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ)، أي: يعلمون أن ما دعاهم الرسول إليه من توحيد اللَّه، والإقرار بالربوبية له والألوهية هو الحق المبين، أي: تبين ذلك، والحق المبين: ما يبين ما يؤتى وما يتقى، وما يحل مما يحرم.
وقوله: (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ... (٢٦) اختلف فيه:
قَالَ بَعْضُهُمْ: الخبيثات من الكلمات والقول للخبيثين من الناس والخبيثون من الناس للخبيثات من الكلمات والقول، والطيبات من الكلمات للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من الكلمات.
وقال مجاهد: هو القول السيئ والقول الحسن، فالحسن للمؤمنين والسيئ للكافرين.
وذلك ما قال الكافرون من كلمة طيبة فهي للمؤمنين، وما قال المؤمنون من كلمة خبيثة
فهي للكافرين كل بريء مما ليس له، ونحوه من الكلام.
ثم قال: (أُولَئِكَ) يعني: عائشة وصفوان.
(مُبَرَّءُونَ) مما يقول أُولَئِكَ القذفة.
(لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) أي: حسن؛ فابن عَبَّاسٍ صرف الآية إلى عائشة وصفوان وإلى قذفتهم، وذلك محتمل، وهو قريب من الأول.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء، والطيبات من النساء للطيبين من الرجال، لكن هذا يتوجه إلى النكاح شرعًا ووجودا، أما الشرع: فنهيه المؤمنين عن نكاح المشركات بقوله: (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا)، وقوله: (الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً) فالمشركات من الخبيثات فهن للخبيثين منهم، وهم المشركون، وكذلك الزانيات للزناة منهم، والمؤمنات هن الطيبات فهن للمؤمنين، وكذلك المحصنات الغافلات هن الطيبات فهن للمحصنين من أهل العفاف والصلاح؛ هذا هو الشرع.
وأما الوجود: فهو ما صبر أزواج المنافقين والكفرة على كفر أزواجهن، والسب لرسول اللَّه، والأذى له، وذلك لخبثهن وكفرهن، وموافقة أزواجهن، فلو كن طيبات لكُنَّ لا يصبرن على ذلك كما لا تصبر المؤمنة بكفر زوجها، والزوج بكفر امرأته، ومن صبر على ذلك إنما صبر لخبثه، فبعضهم لبعض أكفاء: الخبيثات للخبيثين والخبيئون للخبيثات، وكذلك الطيبات والطيبون، واللَّه أعلم.
وعن عبد اللَّه بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: " إن الكلمة الخبيثة لتكون في جوف الرجل الصالح فلا يكون لها في قلبه مستقر حتى يلفظها، فيسمعها الرجل الخبيث فيضمها إلى ما عنده من الشر، وإن الكلمة الصالحة لتكون في جوف الرجل الخبيث فلا يكون لها في قلبه مستقر حتى يلفظها، فيسمعها الرجل الصالح، فيضمها إلى ما عنده من الخير. ثم تلا عبد اللَّه (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ...) الآية.
وجائز أن يكون الخبيئات هي الدركات التي تكون في النار للذين عملوا أعمالا خبيثة
تأويلات أهل السنة
محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي
مجدي محمد باسلوم