ﮟﮠﮡﮢ ﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬ ﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢ ﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯ ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜ

وثالثها- بيان نهاية العالم كله وهي الهلاك الشامل، وانفراد الله تعالى بالبقاء والدوام، والحكم والحساب، ورجوع البشر كافة إليه: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ، لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ونحوها: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ، وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ [الرحمن ٥٥/ ٢٥- ٢٦].
قصة موسى عليه السلام
- ١- نصرة المستضعفين
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ١ الى ٦]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

طسم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤)
وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ (٦)
الإعراب:
وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً أَهْلَها وشِيَعاً مفعولا جَعَلَ لأنه بمعنى (صيّر).
يَسْتَضْعِفُ الجملة حال من فاعل جَعَلَ أو صفة شِيَعاً أو استئناف كلام جديد. ويُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ... بدل منه.
وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً الهاء والميم مفعولا (جعل) لأنه بمعنى (صيّر).
وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ فرعون وما عطف عليه: مفعول أول ل نُرِيَ وهو من رؤية البصر، وهو في الأصل يتعدى إلى مفعول واحد، فلما تعدى بالهمزة صار متعديا إلى مفعولين، والمفعول الثاني هو: ما كانُوا يَحْذَرُونَ.

صفحة رقم 54

البلاغة:
تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ الإشارة بالبعيد عن القريب لبعد مرتبة القرآن في الكمال.
وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا نُرِيدُ حكاية حال ماضية لاستحضار تلك الصورة في الذهن لأن ذلك معطوف على جملة إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ من حيث إنهما واقعان تفسيرا للنبأ. وإرادة المنة بخلاصهم من فرعون هي في المستقبل، فلا يمنع ذلك إرادة استضعافهم في الماضي، ولما كانت الإرادة الأولى قريبة الوقوع من الثانية جعلت كالمقارنة لها.
المفردات اللغوية:
طسم تقرأ: طا، سين، ميم، بمد السين والميم وإدغام النون في الميم. وهذه الحروف المقطعة وأمثالها كما بينا مرارا للتنبيه على إعجاز القرآن الكريم، والإشارة إلى أن هذا الكتاب المعجز في فصاحته وبيانه مركب من أمثال هذه الحروف الهجائية، فكون العرب أساطين البيان، وفرسان الفصاحة والبلاغة، عجزوا عن معارضته، دليل على أنه فوق مستوى البشر، وأنه من لدن حكيم حميد، إله الكون أجمعين. تِلْكَ هذه الآيات. آياتُ الْكِتابِ الإضافة بينهما بمعنى (من). الْمُبِينِ المظهر الحق من الباطل.
نَتْلُوا نقرؤه بقراءة جبريل، ويجوز أن يكون بمعنى (ننزله) مجازا. نَبَإِ خبر مهم، وقوله: مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ معناه بعض نبئهما. بِالْحَقِّ الصدق. لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ لأجلهم، وخص المؤمنون لأنهم المنتفعون به. عَلا تجبر واستكبر، وقوله: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ أي أرض مصر: استئناف مبين لذلك البعض، أي بعض خبر موسى وفرعون. شِيَعاً فرقا وأصنافا يستخدمهم في أعماله من بناء وحفر وحرث ونحو ذلك من مشاق الأعمال، ويؤلب بعضهم على بعض، زارعا بينهم العداوة والبغضاء حتى لا يتفقوا. يَسْتَضْعِفُ يجعلهم ضعفاء مقهورين، وهم بنو إسرائيل. يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ المولودين. وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ يبقي نساءهم أحياء، وسبب هذا الفعل أن كاهنا قال لفرعون: يولد مولود في بني إسرائيل، يذهب ملكك على يده، وذلك كان من غاية حمقه، فإنه لو صدّق لم يندفع الأمر بالقتل، وإن كذب فما الداعي لما فعل؟! إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ بالقتل وغيره، فاجترأ على قتل خلق كثير من أولاد الأنبياء لتخيل فاسد. أَنْ نَمُنَّ نتفضل عليهم بإنقاذهم من بأسه. أَئِمَّةً قادة يقتدى بهم في الخير في أمر الدين والدنيا. وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ ملك فرعون وقومه. وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ أرض مصر والشام، والتمكين: يراد به هنا التسلط على أرض مصر والتصرف فيها. وَهامانَ وزير فرعون. ما كانُوا يَحْذَرُونَ يخافون من المولود الذي يذهب ملكهم على يديه.

صفحة رقم 55

التفسير والبيان:
طسم بيّنت المراد بهذه الحروف في المفردات.
تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ أي هذه آيات من الكتاب الواضح الجلي الكاشف لحقائق أمور الدين، وما كان وما يكون.
نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ أي نذكر لك الأمر على ما كان عليه حقا وصدقا كأنك تشاهد، وكأنك حاضر، من أجل قوم يصدقون برسالتك وبما أنزل إليك من ربك، فتطمئن به قلوبهم، كقوله تعالى:
نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ [يوسف ١٢/ ٣].
وقد ذكر الله تعالى في هذه السورة شيئا أو بعضا من قصة موسى وفرعون، للعبرة والعظة، وإقامة الدليل على صدق نبوة محمد صلّى الله عليه وسلم، وأن هذا القرآن العظيم وحي يوحى، وليس من وضع البشر.
وتخصيص المؤمنين بالذكر مع أن القرآن للناس أجمعين للإشارة إلى أن الانتفاع به لا يكون إلا لمن صدق بأنه كلام الله المنزل على نبيه محمد صلّى الله عليه وسلم.
إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ أي إن فرعون ملك مصر تجبر في أرضها واستكبر، وبغى وطغى وقهر أهلها.
وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً أي جعل أبناء مصر فرقا وأحزابا مختلفة، وسخر كل طائفة في مصالحه العمرانية والزراعية وغير ذلك من أمور دولته، وبذر بينهم بذور الفتنة والعداوة والبغضاء، حتى لا يتفقوا، أخذا بسياسة المستعمر: «فرّق تسد».
وهذا مضاد لسياسة الإسلام- بالمعنى العام- والهدي الإلهي كله القائم على التأليف والجميع على قلب واحد، وإشاعة روح المحبة والتسامح والود والوئام

صفحة رقم 56

والصفاء بين الرعية، وهذا في الواقع هو المبدأ الأمثل الذي يريح الحاكم، ويقوّي الأمة، ويبني أمجادها، ويحقق لها الانتصارات المتلاحقة.
يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ أي يجعل جماعة منهم أذلة مقهورين، وهم بنو إسرائيل. ومظاهر الاستضعاف هي:
يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ أي يقتل مواليدهم الذكور، ويبقي إناثهم أحياء، إهانة لهم واحتقارا، وخوفا من وجود غلام منهم كان فرعون وأهل مملكته قد تخوفوا من ظهور غلام منهم يكون سبب هلاكهم وذهاب دولتهم على يديه، وذلك لأن الكهنة قالوا له: إن مولودا يولد في بني إسرائيل يذهب ملكك على يديه، أو قال المنجّمون له ذلك، أو رأى رؤيا، فعبّرت كذلك.
قال الزجّاج: العجب من حمقه، لم يدر أن الكاهن إن صدق فالقتل لا ينفع، وإن كذب فلا معنى للقتل.
إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ أي في الأرض بالعمل والمعاصي والتجبر، فيقتل بلا ذنب، وينشر الرعب والإرهاب بلا مسوغ، وهذا شأن الظلمة العتاة الذين يستبد القلق والاضطراب في نفوسهم، فيرتكبون مثل هذه الفظائع. ولو شعروا يوما أو أكثر بالطمأنينة والراحة، ونشر عليهم الإيمان أجنحته وظلاله الوادعة، لعاشوا في استقرار وأمان، ولم يعيثوا في الأرض فسادا، ولما احتاجوا إلى مثل هذا العسف والظلم المؤذن بدمارهم.
وبعد أن ذكر تعالى هذه الصفات الخمس الذميمة للعتاة وهي الاستعلاء في الأرض، والاستضعاف، وقتل الأبناء، وإبقاء الإناث، والإفساد، ذكر في مقابلها خصائص خمسا للمستضعفين من بني إسرائيل وهي: إنقاذهم من الظلم، وجعلهم القادة بعد فرعون وقومه، وجعلهم ورثة مصر والشام، وجعل السلطة لهم فيها، وإظهار ما كان يحذره فرعون وهامان وجنودهما من دمارهم وذهاب

صفحة رقم 57

ملكهم على يد بني إسرائيل، فقال تعالى:
١- وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ أي وأردنا التفضل والإنعام على المستضعفين من بني إسرائيل الذين استضعفهم فرعون وأذلهم بتخليصهم من بأسه، وإنقاذهم من ظلمه.
وتساءل الزمخشري بقوله: كيف يجتمع استضعافهم وإرادة الله تعالى المن عليهم، وإذا أراد الله شيئا كان، ولم يتوقف إلى وقت آخر؟ ثم أجاب عنه بأنه لما كانت منة الله عليهم بتخليصهم من فرعون قريبة الوقوع، جعلت إرادة وقوعها كأنها مقارنة لاستضعافهم.
٢- وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً أي ونجعلهم قادة وولاة وحكاما متقدمين في الدين والدنيا.
٣- وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ الذين يرثون ملك فرعون وأرضه وما في يده، كقوله تعالى: وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها [الأعراف ٧/ ١٣٧] وقوله سبحانه: كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ [الشعراء ٢٦/ ٥٩].
٤- وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ أي نجعل لهم السلطة وإنفاذ الأمر وإطلاق الأيدي في أرض مصر والشام.
٥- وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ أي نجعلهم يبصرون ما كانوا خائفين منه من ذهاب ملكهم وهلاكهم على يد مولود من بني إسرائيل. وقد أنفذ الله أمره، وحقق حكمه، بأن جعل دمار فرعون وقومه على يد من رباه وأنشأه على فراشه وفي داره، وعلى سفرته وطعامه بعد أن جعله الله رسولا وأنزل عليه التوراة ليعلم أن رب السموات والأرض هو القاهر الغالب على أمره، الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.

صفحة رقم 58

والواضح أن هذه الخصائص تكون ما دام بنو إسرائيل عاملين بأصل شريعتهم وبكتابهم المنزل غير المبدل ولا المحرف، والذي فقد ولم يعد له وجود، ومضمون التوراة في الوضع الأصلي يلتقي مع مضمون القرآن، فإذا ما انحرفوا عن العقيدة الصحيحة والشريعة المنزلة، زالت عنهم هذه الخصائص.
فقه الحياة أو الأحكام:
تبين من الآيات ما يأتي:
١- القرآن العظيم أبان الحق من الباطل، والحلال من الحرام، وقصص الأنبياء، ونبوة محمد صلّى الله عليه وسلم، ولا ينتفع من هديه إلا القوم المصدقون به، الذين يعلمون أنه من عند الله.
٢- يجب اجتناب الاستعلاء في الأرض، والتعزز بكثرة الأتباع، وهما من سيرة فرعون وقارون. وكانت قصتهما حجة على مشركي قريش وأمثالهم، فكما أن قرابة قارون من موسى لم تنفعه مع كفره، فكذلك قرابة قريش لمحمد صلّى الله عليه وسلم.
٣- كان علو فرعون وتجبره من كفره، وكانت ممارسات ظلمه وعتوه كثيرة متنوعة، فكان يستذل طائفة من بني إسرائيل، يذبح أطفالهم الذكور، ويترك الإناث أحياء، إهانة لهم واحتقارا، وكان من البغاة المفسدين في أرض دولته.
والظلم والكبرياء سبيل الدمار والهلاك، فأهلكه الله، ونجّى بني إسرائيل من العسف والطغيان.
٤- كافأ الله المستضعفين من بني إسرائيل، وشأنه دائما الرفق بالضعفاء، فأنقذهم من بأس فرعون، وجعلهم ولاة وملوكا، كما قال تعالى: وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً [المائدة ٥/ ٢٠]، وورّثهم ملك فرعون فسكنوا مساكن القبط المصريين، كما قال سبحانه: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا [الأعراف ٧/ ١٣٧]، وأقدرهم على أرض مصر والشام وأهلها، فاستولوا عليها، وأراد

صفحة رقم 59

التفسير المنير

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر المعاصر - دمشق
سنة النشر 1418
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية