أَنْ يُوضَعَ دَلِيلًا عَلَى الْقُرْبِ ; وَمِثْلُهُ ثُمَّ وَهُنَا ; لِأَنَّهُمَا بُنِيَا لَمَّا تَضَمَّنَا حَرَفَ الْإِشَارَةِ.
وَفِيهَا لُغَاتٌ هَذِهِ إِحْدَاهَا، وَهِيَ فَتْحُ اللَّامِ وَضَمُّ الدَّالِ وَسُكُونُ النُّونِ.
وَالثَّانِيَةُ: كَذَلِكَ، إِلَّا أَنَّ الدَّالَ سَاكِنَةٌ، وَذَلِكَ تَخْفِيفٌ كَمَا خُفِّفَ عَضُدٌ.
وَالثَّالِثَةُ: بِضَمِّ اللَّامِ وَسُكُونِ الدَّالِ.
وَالرَّابِعَةُ: لَدَى.
وَالْخَامِسَةُ: لَدُ: بِفَتْحِ اللَّامِ وَضَمِّ الدَّالِ مِنْ غَيْرِ نُونٍ.
وَالسَّادِسَةُ: بِفَتْحِ اللَّامِ وَإِسْكَانِ الدَّالِ، وَلَا شَيْءَ بَعْدَ الدَّالِ.
قَالَ تَعَالَى: (رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٩)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (جَامِعُ النَّاسِ) : الْإِضَافَةُ غَيْرُ مَحْضَةٍ ; لِأَنَّهُ مُسْتَقْبَلٌ. وَالتَّقْدِيرُ: جَامِعٌ النَّاسَ. (لِيَوْمٍ) : تَقْدِيرُهُ: لِعَرْضِ يَوْمٍ، أَوْ حِسَابِ يَوْمٍ.
وَقِيلَ: اللَّامُ بِمَعْنَى فِي ; أَيْ فِي يَوْمٍ. وَالْهَاءُ فِي «فِيهِ» تَعُودُ عَلَى الْيَوْمِ ; وَإِنْ شِئْتَ عَلَى الْجَمْعِ، وَإِنْ شِئْتَ عَلَى الْحِسَابِ أَوِ الْعَرْضِ. وَ (لَا رَيْبَ) : فِي مَوْضِعِ جَرٍّ صِفَةٌ لِيَوْمٍ. (إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ) : أَعَادَ ذِكْرَ اللَّهِ مُظْهَرًا تَفْخِيمًا، وَلَوْ قَالَ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ كَانَ مُسْتَقِيمًا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا، وَلَيْسَ مَحْكِيًّا عَمَّنْ تَقَدَّمَ.
وَ (الْمِيعَادَ) : مِفْعَالٌ، مِنَ الْوَعْدِ، قُلِبَتْ وَاوُهُ يَاءً لِسُكُونِهَا وَانْكِسَارِ مَا قَبْلَهَا.
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (١٠)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَنْ تُغْنِيَ) : الْجُمْهُورُ عَلَى التَّاءِ لِتَأْنِيثِ الْفَاعِلِ، وَيُقْرَأُ بِالْيَاءِ ; لِأَنَّ تَأْنِيثَ الْفَاعِلِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، وَقَدْ فُصِلَ بَيْنَهُمَا أَيْضًا.
(مِنَ اللَّهِ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ ; لِأَنَّ التَّقْدِيرَ: مِنْ عَذَابِ اللَّهِ. وَالْمَعْنَى لَنْ تَدْفَعَ الْأَمْوَالُ عَنْهُمْ عَذَابَ اللَّهِ وَ (شَيْئًا) : عَلَى هَذَا فِي مَوْضِعِ الْمَصْدَرِ، تَقْدِيرُهُ: غِنًى.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شَيْئًا مَفْعُولًا بِهِ عَلَى الْمَعْنَى ; لِأَنَّ مَعْنَى تُغْنِيَ عَنْهُمْ تَدْفَعُ، وَيَكُونُ مِنَ اللَّهِ صِفَةً لِشَيْءٍ فِي الْأَصْلِ قُدِّمَ فَصَارَ حَالًا ; وَالتَّقْدِيرُ: لَنْ تَدْفَعَ عَنْهُمُ الْأَمْوَالُ شَيْئًا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ.
وَالْوَقُودُ بِالْفَتْحِ الْحَطَبُ، وَبِالضَّمِّ التَّوَقُّدُ، وَقِيلَ: هُمَا لُغَتَانِ بِمَعْنًى.
قَالَ تَعَالَى: (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١١)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَدَأْبِ) : الْكَافُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ ; وَفِي ذَلِكَ الْمَحْذُوفِ أَقْوَالٌ.
أَحَدُهَا تَقْدِيرُهُ: كَفَرُوا كُفْرًا كَعَادَةِ آلِ فِرْعَوْنَ، وَلَيْسَ الْفِعْلُ الْمُقَدَّرُ هَاهُنَا هُوَ الَّذِي فِي صِلَةِ الَّذِينَ ; لِأَنَّ الْفِعْلَ قَدِ انْقَطَعَ تَعَلُّقُهُ بِالْكَافِ ; لِأَجْلِ اسْتِيفَاءِ الَّذِينَ خَبَرَهُ، وَلَكِنْ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ «كَفَرُوا» الَّتِي هِيَ صِلَةٌ.
وَالثَّانِي: تَقْدِيرُهُ: عُذِّبُوا عَذَابًا كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ، وَدَلَّ عَلَيْهِ أُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ.
وَالثَّالِثُ: تَقْدِيرُهُ: بَطُلَ انْتِفَاعُهُمْ بِالْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَعَادَةِ آلِ فِرْعَوْنَ.
وَالرَّابِعُ: تَقْدِيرُهُ: كَذَّبُوا تَكْذِيبًا كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ ; فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الضَّمِيرُ فِي كَذَّبُوا لَهُمْ، وَفِي ذَلِكَ تَخْوِيفٌ لَهُمْ لِعِلْمِهِمْ بِمَا حَلَّ بِآلِ فِرْعَوْنَ، وَفِي أَخْذِهِ لِآلِ فِرْعَوْنَ.
(وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) : عَلَى هَذَا فِي مَوْضِعِ جَرٍّ عَطْفًا عَلَى آلِ فِرْعَوْنَ.
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء محبّ الدين عبد الله بن الحسين بن عبد الله العكبريّ البغدادي