ﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦ

( وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ولله ما في السماوات وما في الأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله غفور رحيم ).
إن هذه الآيات وعشرات بعدها نزلت في شأن غزوة أحد ويتوقف فهمها على الوقوف على قصة تلك الغزوة ولو إجمالا. فوجب لذلك أن نأتي قبل تفسيرها بما يعين القارئ على فهمهما ويبين له مواقع تلك الأخبار وما فيها من الحكم والأحكام، فنقول :
غزوة أحد١
لما خذل الله المشركين في غزوة بدر ورجع فلهم إلى مكة مقهورين موتورين نذر أبو سفيان بن حرب أن لا يمس رأسه ماء من جنابة حتى يغزو محمدا صلى الله عليه وسلم، فخرج في مائة رجل من قريش حتى أتى بني النضير ليلا وبات ليلة واحدة عند سلام بن مشكم اليهودي سيد بني النضير وصاحب كنزهم فسقاه الخمر وبطن له من خبر الناس ؛ ثم خرج في عقب ليلته وأرسل أصحابه إلى ناحية من المدينة، يقال لها العريض، فقطعوا وحرقوا صوراً٢ من النخل ورأوا رجلا من الأنصار وحليفا له فقتلوهما ونذر به٣ رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج في طلبه ؛ فلم يدركهم، لأنهم فروا وألقوا سويقا كثيرا من أزوادهم يتخففون به فسميت غزوة السويق، وكانت بعد بدر بشهرين، وإنما ذكرناها قبل ذكر أحد ليعلم القارئ أن العدوان من المشركين على المسلمين كان متصلا متلاحقا ! !.
ولما رجع أبو سفيان إلى مكة أخذ يؤلب على رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين وكان بعد قتل صناديد قريش في بدر هو السيد الرئيس فيهم، لذلك كلمه في أمر المسلمين الموتورون من عظماء قريش، كعبد الله بن أبي ربيعة وعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية ليبذل مال العير التي جاء بها من الشام في أخذ الثأر فرضي هو وأصحاب العير بذلك، وكان مال العير كما في السيرة الحلبية خمسين ألف دينار بحت مثلها فبذلوا الربح في هذه الحرب فاجتمعت قريش للحرب حين فعل ذلك أبو سفيان بن حرب وخرجت بحدها٤ وجدها٥ وأحابيشها٦ ومن أطاعها من قبائل كنانة وأهل تهامة فكانوا نحو ثلاثة آلاف وأخذوا معهم نساءهم التماس الحفيظة وأن لا يفروا فإن الفرار بالنساء عسر والفرار دونهن عار. وكان مع أبي سفيان وهو القائد زوجه هند ابنة عتبة، فكانت تحرض الغلام وحشيا الحبشي الذي أرسله مولاه جبير بن مطعم ليقتل حمزة عم النبي صلى الله عليه وسلم بعمه طعمة بن عدي الذي قتل ببدر، وقد علق عتقه على قتله. وكان هذا الحبشي ماهرا في الرمي بالحربة على بعد، قلما يخطئ فكانت هند كلما رأته في الجيش تقول له :" ويها أبا دسمة أشف واشتف " تخاطبه بالكنية تكريما له. وذكر الحلبي أنهم ساروا أيضا بالقيان والدفوف والمعازف والخمور.
نزل أبو سفيان بجيشه قريبا من أحد في مكان يقال له " عينين " ٧ على شفير الوادي مقابل المدينة وكان ذلك في شوال من السنة الثالثة، فلما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك استشار أصحابه كعادته أيخرج إليهم ؟ أم يمكث في المدينة ؟ وكان رأيه هو أن يتحصنوا بالمدينة فإن دخلها العدو عليهم قاتلوه على أفواه الأزقة والنساء من فوق البيوت، ووافقه على هذا الرأي أكابر المهاجرين والأنصار، كما في السيرة الحلبية وعبد الله بن أبي، وكان هو الرأي. وأشار عليه جماعة من الصحابة أكثرهم من الأحداث وممن كان فاتهم الخروج يوم بدر بان يخرج إليهم لشدة رغبتهم في القتال فما زالوا يلحون على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخل فلبس لأمته٨ بعد صلاة الجمعة وكان قد أوصاهم في خطبتها ووعدهم بأن لهم النصر ما صبروا، ثم خرج عليهم وقد ندم الناس وقالوا استكرهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن لنا ذلك، وقالوا له استكرهناك ولم يكن لنا ذلك فإن شئت فاقعد فقال " ما كان لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه " ٩ أي لما فسخ العزيمة بعد إحكامها وتوثيقها من الضعف ومبادئ الفشل وسوء الأسوة. وفي سحر يوم السبت خرج بألف من أصحابه واستعمل بالمدينة عبد الله ابن أم مكتوم الأعمى على الصلاة بمن يقي فيها.
فلما كانوا بالشوط بين المدينة وأحد انعزل عنه عبد الله بن أبي ابن سلول رئيس المنافقين بنحو ثلث العسكر ( وهم ٣٠٠ ) وقال أطاعهم وعصاني – وفي رواية أطاع الولدان ومن لا رأي له- فما ندري علام نقتل أنفسنا ههنا أيها الناس. فرجع بمن اتبعه من قومه أهل النفاق والريب، فتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام أخو بني سلمة يقول : يا قوم أذكركم الله أن لا تخذلوا قومكم ونبيكم، تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا. قالوا : لو نعلم أنكم تقاتلون لم نرجع ولكن نرى أنه لا يكون قتال. وقد كان المسلمون نحو ثلث المشركين الذين خرجوا إليهم فأمسوا وقد ذهب من الثلث نحو ثلثه، وهمت بنو سلمة من الأوس وبنو حارثة من الخزرج أن تفشلا فعصمهما الله تعالى.
وقد كان خروج المنافقين منهم خيرا لهم كما قال تعالى في مثل ذلك يوم تبوك ( لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ) [ التوبة : ٤٧ ] الآية، وإنما ارتأى عبد الله بن أبي عدم الخروج ليكتفي أمر القتال أو خطره حرصا على الحياة وإيثارا لها على إعلاء كلمة الله. فكان على موافقته للرسول في الرأي مخالفا له في سببه وعلته، فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يراعي في جميع حروبه التي كانت كلها دفاعا قاعدة ارتكاب أخف الضررين وأبعد الأمرين عن العدوان رحمة بالناس وإيثارا للسلام. وتعزر رأيه المبني على هذه السنة برؤيا رآها قبل ذلك ؛ وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. رأى أن في سيفه ثلمة ورأى أن بقرا تذبح وأنه أدخل يده في درع حصينة فتأول الثلمة في سيفه برجل يصاب من أهل بيته فكان ذلك الرجل حمزة عمه رضي الله عنه- وتأول البقر بنفر من أصحابه يقتلون، وتأول الدرع بالمدينة.
ولكنه على هذا كله عمل برأي الجمهور من أصحابه إقامة لقاعدة الشورى التي أمره الله بها وهو لم يخالف بذلك قاعدة ارتكاب أخف الضررين، بل جرى عليها لأن مخالفة رأي الجمهور ولو إلى خير الأمرين هضم لحق الجماعة وإخلال بأمر الشورى التي هي أساس الخير كله. وإنما كان يكون المكث في المدينة خيرا من الخروج إلى العدو في أحد لو لم يكن مخلا بقاعدة الشورى كما هو ظاهر، فكيف ترك المسلمون هذا الهدي النبوي الأعلى ورضوا بأن يكون ملوكهم وأمراؤهم مستبدين بالأحكام والمصالح العامة يديرون دولابها بأهوائهم التي لا تتفق مع الدين ولا مع العقل ؟ ؟
وسأل قوم من الأنصار النبي صلى الله عليه وسلم أن يستعينوا بحلفائهم من اليهود فأبى وكان في الحقيقة ضلع اليهود مع المشركين، ولم يكونوا في عهودهم بموفين.
ومضى النبي بأصحابه حتى مر بهم في خرة بني حارثة وقال لهم " من رجل يخرج بنا على القوم من كثب- قرب- لا يمر بنا عليهم ؟ " فقال أبو خيثمة أخو بني حارثة بن الحارث : أنا يا رسول الله فنفذ به في حرة قومه بني حارثة وبين أموالهم حتى سلك في مال لمربع بن قيظي وكان رجلا منافقا ضرير البصر. فلما سمع حس رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قام يحثو في وجوههم التراب ويقول : إن كنت رسول الله فلا أحل لك أن تدخل حائطي. قال ابن هشام : وقد ذكر لي أنه أخذ حفنة من تراب في يده ثم قال : والله لو أني أعلم أني لا أصيب بها غيرك يا محمد لضربت بها وجهك. فابتدره القوم ليقتلوه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تقتلوه فهذا الأعمى أعمى القلب أعمى البصر ". وفي هذه المسألة من علم النبي بفن الحرب الإرشاد إلى اختيار أقرب الطرق إلى العدو وأخفاها عنه، وذلك يتوقف على العلم بخرت الأرض الذي يعرف اليوم بعلم الجغرافية وإباحة المرور في ملك الناس عند الحاجة إلى ذلك، لتقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة. وفيها من رحمته صلى الله عليه وسلم أنه لم يأذن بقتل ذلك المنافق المجاهر بعدائه ؛ بل رحمه وعذره. ولم تكن المصلحة العامة تتوقف على قتله. ولم تكن العرب قبل الإسلام تراعي هذه الدقة في حفظ الدماء، بل قلما تراعيه أمة من الأمم في زمن الحروب.
ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل الشعب من جبل أحد في عدوة الوادي إلى الجبل، فجعل ظهره وعسكره إلى أحد وقال " لا يقاتلن أحد حتى نأمر بالقتال " وفي ذلك من أحكام الحرب أن الرئيس هو الذي يفتحها، وما كانت العرب تراعي ذلك دائما لا سيما إذا حدث ما يثير حميتهم، وقد امتثلوا الأمر على استشراف. ولذلك قال بعض الأنصار- وقد رأى قريشا قد سرحت الظهر والكراع في زروع المسلمين - أترعى زروع بني قيلة ولما نضارب ؟ وفيه من الفوائد ما لا محل لشرحه هنا.
فلما أصبح يوم السبت تعبى للقتال وهو في سبع مائة فيهم خمسون فارسا، وظاهر بين درعين- أي لبس درعا فوق درع- واستعمل على الرماة- وكانوا خمسين- عبد الله بن جبير أخا بني عمرو بن عوف، وهو معلم يومئذ بثياب بيض وقال " انضح الخيل عنا بالنبل لا يأتونا من خلفنا، وإن كانت لنا أو علينا فاثبت مكانك لا نؤتين من قبلك ". ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير أخي بني عبد الدار، وجعل على إحدى المجنبتين الزبير بن العوام وعلى الأخرى المنذر بن عمرو.
ثم استعرض صلى الله عليه وسلم الشبان يومئذ، فرد من استصغره عن القتال وهم ١٧ وأحاز أفرادا من أبناء الخامسة عشرة، قيل لسنهم وقيل لبنيتهم وطاقتهم، ولعله الصواب. فإنه كان قد رد سمرة بن جندب، ورافع بن خديج ولهما خمس عشرة سنة، فقيل له يا رسول الله ؛ إن رافعا رام فأجازه، فقيل له فإن سمرة يصرع رافعا. فأجازه. وروي أنهما تصارعا أمامه ورد عبد الله بن عمر وزيد بن ثابت وعمرو بن حزم وأسيد بن ظهير والبراء بن عازب ثم أجازهم يوم الخندق، وهم أبناء خمس عشرة إذ كانوا يطيقون القتال في هذه السن كما هو الغالب في العرب يومئذ.
وتعبت قريش وهم ثلاث آلاف رجل معهم مائتا فرس قد جنبوها، فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد وعلى ميسرتها عكرمة بن أبي جهل وابتدأت الحرب بالمبارزة.
ولما اشتبك القتال والتقى الناس بعضهم ببعض قامت هند بنت عتبة في النسوة اللاتي معها وأخذن الدفوف يضربن خلف الرجال ويحرضنهم فقالت هند فيما تقول :
ويهاً بني عبد الدارْ *** ويهاً حماة الأدبارْ
ضرباً بكل بتارْ
إن تقبلوا نعانقْ *** ونفرش النمارق
أو تدبروا نفارقْ *** فراق غير وامقْ١٠
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول عند سماع نشيد النساء " اللهم بك أحول وبك أصول ؛ وفيك أقاتل، حسبي الله ونعم الوكيل " ١١.
وكان أول من بدر من المشركين أبو عامر عبد بن عمرو بن صيفي وكان رأس الأوس في الجاهلية، فلما جاء الإسلام شرق به وجاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعداوة وخرج من المدينة إلى مكة يؤلب قريشا على قتاله، ويزعم أن قومه إذا رأوه أطاعوه ومالوا معه وكان يسمى الراهب فسماه ال
ثم أكد تعالى هذه الحقيقة وأيدها بقوله : ولله ما في السماوات وما في الأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله غفور رحيم فمن كان له ملك السماوات والأرض كان حقيقا بان يكون له الأمر كله في السماوات والأرض، ولا يمكن أن يكون لأحد من أهلهما شركة معه ولا رأي ولا وساطة تأثير في تدبيرهما، وإن كان ملكا مقربا أو نبيا مرسلا إلا من سخره تعالى للقيام بشيء فإنه يكون خاضعا لذلك التسخير، لا يستطيع الخروج فيه عن السنن العامة التي قام بها نظام الكون ونظام الاجتماع، وفي ذلك تأديب من الله تعالى لرسوله وإعلام بان ذلك اللعن والدعاء على المشركين مما لم يكن ينبغي له، ولذلك قال ابن جرير في تفسير الآية " يعني بذلك تعالى ذكره ليس لك يا محمد من الأمر شيء ولله جميع ما بين أقطار السماوات والأرض من مشرق الشمس إلى مغربها دونك ودونهم يحكم فيهم بما شاء ويقضي ما أحب فيتوب على من أحب من خلقه العاصين أمره ونهيه ثم يغفر له ويعاقب من يشاء منهم على جرمه فينتقم منه " الغفور " الذي يستر ذنوب من أحب أن يستر عليه ذنوبه من خلقه بفضله عليهم بالعفو والصفح و " الرحيم " بهم في تركه عقوبتهم عاجلا على عظيم ما يأتون من المآثم ا ه. ولا تنس أن مشيئته المغفرة أو التعذيب جارية على سن حكيمة مطردة كما تقدم غير مرة ( راجع الجزء الثالث ).

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

رشيد رضا

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير