قَالَ تَعَالَى: (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَا تَهِنُوا) : الْمَاضِي وَهَنَ، وَحُذِفَتِ الْوَاوُ فِي الْمُضَارِعِ لِوُقُوعِهَا بَيْنَ يَاءٍ وَكَسْرَةٍ، وَ (الْأَعْلَوْنَ) : وَاحِدُهَا أَعْلَى، حُذِفَتْ مِنْهُ الْأَلِفُ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَبَقِيَتِ الْفَتْحَةُ تَدُلُّ عَلَيْهَا.
قَالَ تَعَالَى: (إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (١٤١)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (قَرْحٌ) : يُقْرَأُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، وَهُوَ مَصْدَرُ قَرَحْتُهُ إِذَا جَرَحْتُهُ، وَيُقْرَأُ بِضَمِّ الْقَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، وَهُوَ بِمَعْنَى الْجُرْحِ أَيْضًا، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: بِالضَّمِّ: أَلَمُ الْجِرَاحِ. وَيُقْرَأُ بِضَمِّهِمَا عَلَى الْإِتْبَاعِ كَالْيُسْرِ وَالْيُسُرِ، وَالطُّنْبِ وَالطُّنُبِ، وَيُقْرَأُ بِفَتْحِهَا، وَهُوَ مَصْدَرُ قَرُحَ يَقْرَحُ إِذَا صَارَ لَهُ قُرْحَةً، وَهُوَ بِمَعْنَى دَمِيَ. (وَتِلْكَ) : مُبْتَدَأٌ، وَ (الْأَيَّامُ) : خَبَرُهُ، وَ (نُدَاوِلُهَا) : جُمْلَةٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَالْعَامِلُ فِيهَا مَعْنَى الْإِشَارَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْأَيَّامُ بَدَلًا، أَوْ عَطْفَ بَيَانٍ، وَنُدَاوِلُهَا الْخَبَرُ، وَيُقْرَأُ يُدَاوِلُهَا بِالْيَاءِ، وَالْمَعْنَى مَفْهُومٌ.
وَ (بَيْنَ النَّاسِ) : ظَرْفٌ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْهَاءِ. (وَلِيَعْلَمَ) : اللَّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ ; تَقْدِيرُهُ: وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ دَوَالَهَا. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: لِيَتَّعِظُوا وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ. وَقِيلَ: الْوَاوُ زَائِدَةٌ. وَ (مِنْكُمْ) : يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِيَتَّخِذُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ «شُهَدَاءَ» (وَلِيُمَحِّصَ) : مَعْطُوفٌ عَلَى «وَلِيَعْلَمَ».
قَالَ تَعَالَى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَمْ حَسِبْتُمْ) : أَمْ هُنَا مُنْقَطِعَةٌ ; أَيْ بَلْ أَحَسِبْتُمْ وَ (أَنْ تَدْخُلُوا) : أَنْ وَالْفِعْلُ يَسُدُّ مَسَدَّ الْمَفْعُولَيْنِ، وَقَالَ الْأَخْفَشُ الْمَفْعُولُ الثَّانِي مَحْذُوفٌ. (وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) : يُقْرَأُ بِكَسْرِ الْمِيمِ عَطْفًا عَلَى الْأُولَى، وَبِضَمِّهَا عَلَى تَقْدِيرِ: وَهُوَ يَعْلَمُ، وَالْأَكْثَرُ فِي الْقِرَاءَةِ الْفَتْحُ، وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مَجْزُومٌ أَيْضًا، لَكِنَّ الْمِيمَ لَمَّا حُرِّكَتْ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ حُرِّكَتْ بِالْفَتْحِ إِتْبَاعًا لِلْفَتْحَةِ قَبْلَهَا. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ مَنْصُوبٌ عَلَى إِضْمَارِ أَنْ، وَالْوَاوُ هَاهُنَا بِمَعْنَى الْجَمْعِ، كَالَّتِي فِي قَوْلِهِمْ لَا تَأْكُلِ السَّمَكَ وَتَشْرَبِ اللَّبَنَ. وَالتَّقْدِيرُ: أَظْنَنْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ، وَأَنْ يَعْلَمَ الصَّابِرِينَ، وَيُقَرِّبُ عَلَيْكَ هَذَا الْمَعْنَى أَنَّكَ لَوْ قَدَّرْتَ الْوَاوَ بِمَعَ صَحَّ الْمَعْنَى وَالْإِعْرَابُ.
قَالَ تَعَالَى: (وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ) : الْجُمْهُورُ عَلَى الْجَرِّ بِمِنْ وَإِضَافَتِهِ إِلَى الْجُمْلَةِ.
وَقُرِئَ بِضَمِّ اللَّامِ ; وَالتَّقْدِيرُ: وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ أَنْ تَلْقَوْهُ
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء محبّ الدين عبد الله بن الحسين بن عبد الله العكبريّ البغدادي