ﭳﭴﭵﭶﭷ

قوله : وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ قرأ نافع وعاصم ويعقوب وَيُعَلِّمُهُ - بياء الغيبة١ - والباقون بنون المتكلم المعظم نفسه، وعلى كلتا القراتين ففي محل هذه الجملة أوجهٌ :
أحدها : أنها معطوفة على " يُبَشِّرُكِ " أي : أن الله يبشركِ بكلمةٍ ويعلم ذلك المولود المُعَبَّر عنه بالكلمة.
الثاني : أنها معطوفة على " يَخْلُقُ " أي : كذلك الله يخلق ما يشاء ويعلمه. وإلى هذين الوجهين، ذهب جماعة منهم الزمخشريُّ وأبو علي الفارسيّ، وهذان الوجهان ظاهران على قراءة الياء، وأما قراءة النون، فلا يظهر هذان الوجهان عليها إلا بتأويل الالتفات من ضمير الغيبة إلى ضمير المتكلم، إيذاناً بالفخامة والتعظيم.
فأما عطفه على " يُبَشِّرُكِ " فقد استبعده أبو حيَّانَ جِدًّا، قال :" لطول الفصل بين المعطوف، والمعطوف عليه "، وأما عطفه على " يَخْلُقُ " فقال :" هو معطوف عليه سواء كانت - يعني " يَخْلُقُ " خبراً عن الله أم تفسيراً لما قبلها، إذا أعربت لفظ " اللهُ " مبتدأ، وما قبله خبر ".
يعني أنه تقدم في إعراب كَذَلِكَ اللَّهُ في قصة زكريا أوجه :
أحدها ما ذكره - ف " يُعَلِّمُهُ " معطوف على " يخلُقُ " بالاعتبارين [ المذكورين ] ٢ ؛ إذْ لا مَانِعَ من ذلك، وعلى هذا الذي ذكره أبو حيّان وغيره، تكون الجملة الشرطية معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه، والجملة من " نُعَلِّمُهُ " - في الوجهين المتقدمين - مرفوعة المحل، لرفع محل ما عُطِفَتْ عليه.
الثالث : أن يعطف على " يُكَلِّمُ " فيكون منصوباً على الحال، والتقدير : يُبَشِّرُكَ بكلمة مُكَلِّماً ومُعلِّماً الكتاب، وهذا الوجه جوزه ابنُ عَطِيَّةَ وغيره.
الرابع : أن يكون معطوفاً على " وَجِيهاً " ؛ لأنه في تأويل اسم منصوبٍ على الحال، وهذا الوجه جوَّزه الزمخشريُّ.
واستبعد أبو حيّان هذين الوجهين الأخيرين - أعني الثالث والرابع - قال :" الطول الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه، ولا يقع مثلُه في لسان العرب ".
الخامس : أن يكون معطوفاً على الجملة المحكية بالقول :- وهي كَذَلِكَ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ .
قال أبو حيّان٣ :" وعلى كلتا القراءتين هي معطوفة على الجملة المقولة ؛ وذلك أن الضمير في ( قال كذلك ) لله - تعالى - والجملة بعده هي المقولة، وسواء كان لفظ ( الله ) مبتدأ خبره ما قبله، أم مبتدأ، وخبره " يَخْلُقُ " - على ما مر إعرابه في قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ - فيكون هذا من القول لمريم على سبيل الاغتباط، والتبشير بهذا الولد، الذي أوجده اللهُ منها ".
السادس : أن يكون مستأنفاً، لا محلَّ له من الإعراب.
قال الزَّمَخْشريُّ - بعد أن ذكر فيه أنه يجوز أن يكون معطوفاً على " يُبَشِّرُكِ " أو يخلق أو " وَجِيهاً " - :" أو هو كلام مبتدأ " يعني مستأنفاً.
قال أبو حيّان٤ :" فإن عنى أنه استئناف إخبار عن الله، أو من الله - على اختلاف القراءتين - فمن حيث ثبوت الواو لا بد أن يكون معطوفاً على شيء قبله، فلا يكون ابتداء كلام إلا أن يُدَّعَى زيادةُ الواو في وتعلمه، فحينئذٍ يَصِحُّ أن يكون ابتداءَ كلامٍ، وإن عنى أنه ليس معطوفاً على ما ذكر، فكان ينبغي أن يبين ما عطف عليه، وأن يكون الذي عُطِف عليه ابتداء كلام، حتى يكون المعطوف كذلك ".
قال شهاب الدين٥ :" وهذا الاعتراض غير لازم ؛ لأنه لا يلزم من جعله كلاماً مستأنفاً أن يُدَّعَى زيادة الواو، ولا أنه لا بد من معطوف عليه ؛ لأن النحويين، وأهل البيان نَصُّوا على أن الواوَ تكون للاستئناف، بدليل أن الشعراء يأتُون بها في أوائل أشعارهم، من غير تقدُّم شيءٍ يكون ما بعدَها معطوفاً عليه، والأشعار مشحونة بذلك، ويُسمونها واوَ الاستئناف، ومَن منع ذلك قدَّر أنّ الشاعرَ عطف كلامه على شيء منويٍّ في نفسه، ولكن الأول أشهر القولين ".
وقال الطبريُّ : قراءة الياء عطف على قوله : يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ، وقراءة النون، عطف على قوله : نُوحِيهِ إلَيْكَ .
قال ابن عطيةَ :" وهذا الذي قاله في الوجهين مفسد للمعنى ". ولم يبين أبو محمد وجه إفساد المعنى.
قال أبو حيّان٦ :" أما قراءةُ النون، فظاهر فساد عطفه عفى " نُوحِيهِ " من حيث اللفظ ومن حيث المعنى، أما من حيث اللفظ فمثله لا يقع في لسان الْعَرَبِ ؛ لبُعْدِ الفَصْل المُفْرِط، وتعقيد التركيب وتنافي الكلامِ، وأما من حيث المعنى فإنَّ المعطوف بالواو شريك المعطوف عليه في المعنى، فيصير المعنى بقوله : ذلِكَ مِنْ أَنَبَآءِ الْغَيْبِ ، أي : إخبارك يا محمد بقصة امرأة عمرانَ وولادتها لمريم، وَكَفَالَةِ زكريا، وقصته في ولادة يحيى، وتبشير الملائكة لمريمَ بالاصطفاء والتطهير كل ذلك من أخبار الغيب - نعلمه، أي : نعلم عيسى الكتاب، فهذا كلام لا ينتظم [ معناه ] مع معنى ما قبله.
أما قراءة الياء وعطف " وَيُعَلِّمُهُ " على " يَخْلُقُ " فليست مُفْسِدَةً للمعنى، بل هو أوْلَى وأصَحّ ما يحمل عطف " وَيُعَلِّمُهُ " لقُرب لفظه وصحة معناه - وقد ذكرنا جوازَه قبل - ويكون الله أخبر مريم بأنه - تعالى - يخلق الأشياءَ الغريبةَ التي لم تَجْرِ العادة بِمثلِهَا، مثلما خلق لك ولداً من غير أبٍ، وأنه - تعالى - يُعَلِّمُ هذا الولَد الذي يخلقه لك ما لم يُعَلِّمْه مَنْ قَبْلَه من الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل، فيكون في هذا الإخبار أعظم تبشيرٍ لها بهذا الولد، وإظهار بركته، وأنه ليس مشبهاً أولاد الناس - من بني إسرائيل - بل هو مخالف لهم في أصل النشأة، وفيما يعلمه - تعالى - من العلم، وهذا يظهر لي أنه أحسن ما يحمل عليه عطف وَيُعَلِّمُهُ " اه.
قال أبو البقاء٧ :" يُقْرَأ - نعلمه - بالنون، حملاً على قوله : ذلِكَ مِنْ أَنَبَآءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ويقرأ بالياء ؛ حملاً على " يُبَشِّرُكِ " وموضعه حال معطوفة على " وَجِيهاً ".
قال أبو حيّان٨ : وقال بعضهم :" وَنُعَلِّمُهُ " - بالنون - حملاً على " نُوحِيهِ " - إن عني بالحمل العطف فلا شيء أبعد من هذا التقدير، وإن عني بالحمل أنه من باب الالتفات فهو صحيح ".
قال شهاب الدين٩ :" يتعين أن يعني بقوله : حَمْلاً ؛ الالتفات ليس إلا، ولا يجوز أن يعني به العطف لقوله : وموضعه حال معطوفة على " وَجِيهاً " وكيف يستقيم أن يُرِيدَ عطفه على " يُبَشِّرُكِ " أو على توجيهه مع حكمه عليه بأنه معطوف على " وَجِيهاً " ؟ هذا ما لا يستقيم أبداً ".

فصل في المراد ب " الكتاب "


المرادُ من " الكِتَاب " : تعليم الخط والكتابة، ومن " الْحِكْمَة " تعليم العلوم، وتهذيب الأخلاق : وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ كتابان إلهيان، وذلك هو الغاية العُلْيا في العلم ؛ لأنه يحيط بالأسرار العقلية والشرعية، ويطَّلع على الحِكَم العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ.
١ وقرأ بها عاصم، وأبو جعفر.
ينظر: السبعة ٢٠٦، والكشف ١/٣٤٤، والحجة ٣/٤٣، وحجة القراءات ١٦٣، وإتحاف ١/٤٠٨، والعنوان ٧٩، وإعراب القراءات ١/١١٣، وشرح الطيبة ٤/١٥٧، وشرح شعلة ٣١٤..

٢ سقط في أ..
٣ ينظر: البحر المحيط ٢/٤٨٤..
٤ ينظر: البحر المحيط ٢/٤٨٥..
٥ ينظر: الدر المصون ٢/٩٩..
٦ ينظر: البحر المحيط ٢/٤٨٥..
٧ ينظر: الإملاء ١/١٣٥..
٨ ينظر: البحر المحيط ٢/٤٨٥..
٩ ينظر: الدر المصون ٢/١٠٠..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية