وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ أَحْوَالًا مِنَ الْهَاءِ فِي اسْمِهِ ; لِلْفَصْلِ الْوَاقِعِ بَيْنَهُمَا، وَلِعَدَمِ الْعَامِلِ فِي الْحَالِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فِي الْمَهْدِ) يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي يُكَلِّمُ ; أَيْ يُكَلِّمُهُمْ صَغِيرًا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا.
: (وَكَهْلًا) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مَعْطُوفَةً عَلَى وَجِيهًا، وَأَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى مَوْضِعِ «فِي الْمَهْدِ» إِذَا جَعَلْتَهُ حَالًا. (وَمِنَ الصَّالِحِينَ) : حَالٌ مَعْطُوفَةٌ عَلَى وَجِيهًا.
قَالَ تَعَالَى: (قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ) : قَدْ ذُكِرَ فِي قَوْلِهِ: (كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) [آلِ عِمْرَانَ: ٤٠] قِصَّةَ زَكَرِيَّا.
وَ (إِذَا قَضَى أَمْرًا) : مَشْرُوحٌ فِي الْبَقَرَةِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَيُعَلِّمُهُ) : يُقْرَأُ بِالنُّونِ حَمْلًا عَلَى قَوْلِهِ: (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ) [آلِ عِمْرَانَ: ٤٤] وَيُقْرَأُ بِالْيَاءِ حَمْلًا عَلَى «يُبَشِّرُكَ»، وَمَوْضِعُهُ حَالٌ مَعْطُوفَةٌ عَلَى (وَجِيهًا).
(وَرَسُولًا) : فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ صِفَةٌ مِثْلُ صَبُورٍ وَشَكُورٍ، فَيَكُونُ حَالًا أَيْضًا ; أَوْ مَفْعُولًا بِهِ عَلَى تَقْدِيرِ: وَيَجْعَلُهُ رَسُولًا ; وَفَعُولٌ هُنَا بِمَعْنَى مُفْعَلٍ ; أَيْ مُرْسَلًا.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
أَبْلِغْ أَبَا سَلْمَى رَسُولًا تُرَوِّعُهُ.
فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَأَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مَعْطُوفًا عَلَى الْكِتَابِ ; أَيْ نُعَلِّمُهُ رِسَالَةً ; فَإِلَى عَلَى الْوَجْهَيْنِ تَتَعَلَّقُ بِرَسُولٍ ; لِأَنَّهُمَا يَعْمَلَانِ عَمَلَ الْفِعْلِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «إِلَى» نَعْتًا لِرَسُولٍ فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ.
(أَنِّي) : فِي مَوْضِعِ الْجُمْلَةِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: جَرٌّ ; أَيْ بِأَنِّي، وَذَلِكَ مَذْهَبُ الْخَلِيلِ، وَلَوْ ظَهَرَتِ الْبَاءُ لَتَعَلَّقَتْ بِرَسُولٍ، أَوْ بِمَحْذُوفٍ يَكُونُ صِفَةً لِرَسُولٍ ; أَيْ نَاطِقًا بِأَنِّي، أَوْ مُخْبِرًا.
وَالثَّانِي: مَوْضِعُهَا نَصْبٌ عَلَى الْمَوْضِعِ، وَهُوَ مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، أَوْ عَلَى تَقْدِيرِ: يَذْكُرُ أَنِّي، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْ رَسُولٍ إِذَا جَعَلْتَهُ مَصْدَرًا تَقْدِيرُهُ: وَنُعَلِّمُهُ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ.
وَالثَّالِثُ: مَوْضِعُهَا رَفْعٌ ; أَيْ هُوَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ إِذَا جَعَلْتَ رَسُولًا مَصْدَرًا أَيْضًا.
(بِآيَةٍ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ ; أَيْ مُحْتَجًّا بِآيَةٍ.
(مِنْ رَبِّكُمْ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِآيَةٍ، وَأَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِجِئْتُ.
(أَنِّي أَخْلُقُ) : يُقْرَأُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَفِي مَوْضِعِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: جَرٌّ بَدَلًا مِنْ آيَةٍ. وَالثَّانِي: رَفْعٌ ; أَيْ هِيَ أَنِّي.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْ «أَنِّي» الْأُولَى.
وَيُقْرَأُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، أَوْ عَلَى إِضْمَارِ الْقَوْلِ.
(كَهَيْئَةِ) : الْكَافُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ نَعْتًا لِمَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ ; أَيْ هَيْئَةً كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ، وَالْهَيْئَةُ مَصْدَرٌ فِي مَعْنَى الْمُهَيَّأِ كَالْخَلْقِ بِمَعْنَى الْمَخْلُوقِ.
وَقِيلَ: الْهَيْئَةُ اسْمٌ لِحَالِ الشَّيْءِ وَلَيْسَتْ مَصْدَرًا، وَالْمَصْدَرُ التَّهَيُّؤُ وَالتَّهْيِئَةُ.
وَيُقْرَأُ (كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ) : عَلَى إِلْقَاءِ حَرَكَةِ الْهَمْزَةِ عَلَى الْيَاءِ وَحَذْفِهَا، وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْبَقَرَةِ اشْتِقَاقُ الطَّيْرِ وَأَحْكَامُهُ، وَالْهَاءُ فِي (فِيهِ) : تَعُودُ عَلَى مَعْنَى الْهَيْئَةِ ; لِأَنَّهَا بِمَعْنَى الْمُهَيَّأِ.
وَيَجُوزُ أَنْ تَعُودَ عَلَى الْكَافِ ; لِأَنَّهَا اسْمٌ بِمَعْنَى مِثْلَ، وَأَنْ تَعُودَ عَلَى الطَّيْرِ، وَأَنْ تَعُودَ عَلَى الْمَفْعُولِ الْمَحْذُوفِ.
(فَيَكُونُ) : أَيْ فَيَصِيرُ، فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ كَانَ هُنَا التَّامَّةَ ; لِأَنَّ مَعْنَاهَا صَارَ، وَصَارَ بِمَعْنَى انْتَقَلَ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ النَّاقِصَةَ، وَ «طَائِرًا» عَلَى الْأَوَّلِ حَالٌ، وَعَلَى الثَّانِي خَبَرٌ.
وَ (بِإِذْنِ اللَّهِ) : يَتَعَلَّقُ بِيَكُونُ. (بِمَا تَأْكُلُونَ) : يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الَّذِي، وَنَكِرَةً مَوْصُوفَةً، وَمَصْدَرِيَّةً، وَكَذَلِكَ مَا الْأُخْرَى. وَالْأَصْلُ فِي: (تَدَّخِرُونَ) : تَذْدَخِرُونَ إِلَّا أَنَّ الذَّالَ مَجْهُورَةٌ، وَالتَّاءَ مَهْمُوسَةٌ، فَلَمْ يَجْتَمِعَا ; فَأُبْدِلَتِ التَّاءُ دَالًا ; لِأَنَّهَا مِنْ مَخْرَجِهَا لِتَقْرُبَ مِنَ الذَّالِ، ثُمَّ أُبْدِلَتِ الذَّالُ دَالًا، وَأُدْغِمَتْ، وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَقْلِبُ التَّاءَ ذَالًا، وَيُدْغِمُ، وَيُقْرَأُ بِتَخْفِيفِ الذَّالِ، وَفَتْحِ الْخَاءِ، وَمَاضِيهِ ذَخُرَ.
قَالَ تَعَالَى: (وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠)).
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء محبّ الدين عبد الله بن الحسين بن عبد الله العكبريّ البغدادي