قَوْلُهُ تَعَالَى: (خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ) : هَذِهِ الْجُمْلَةُ تَفْسِيرٌ لِلْمَثَلِ فَلَا مَوْضِعَ لَهَا، وَقِيلَ: مَوْضِعُهَا حَالٌ مِنْ آدَمَ، وَ «قَدْ» مَعَهُ مُقَدَّرَةٌ وَالْعَامِلُ فِيهَا مَعْنَى التَّشْبِيهِ، وَالْهَاءُ لِآدَمَ، وَمِنْ مُتَعَلِّقَةٌ بِخَلْقٍ، وَيَضْعُفُ أَنْ يَكُونَ حَالًا ; لِأَنَّهُ يَصِيرُ تَقْدِيرُهُ: خَلَقَهُ كَائِنًا مِنْ تُرَابٍ، وَلَيْسَ الْمَعْنَى عَلَيْهِ. (ثُمَّ قَالَ لَهُ) : ثُمَّ هَاهُنَا لِتَرْتِيبِ الْخَبَرِ، لَا لِتَرْتِيبِ الْمُخْبَرِ عَنْهُ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ: «كُنْ» لَمْ يَتَأَخَّرْ عَنْ خَلْقِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْمَعْنَى تَفْسِيرٌ لِمَعْنَى الْخَلْقِ، وَقَدْ جَاءَتْ ثُمَّ غَيْرُ مُقَيَّدَةٍ بِتَرْتِيبِ الْمُخْبَرِ عَنْهُ ; كَقَوْلِهِ: (فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ) [يُونُسَ: ٤٦] وَتَقُولُ: زَيْدٌ عَالِمٌ، ثُمَّ هُوَ كَرِيمٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِتَرْتِيبِ الْمُخْبَرِ عَنْهُ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى صَوَّرَهُ طِينًا، ثُمَّ قَالَ لَهُ: كُنْ لَحْمًا وَدَمًا.
قَالَ تَعَالَى: (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ) : الْهَاءُ ضَمِيرُ عِيسَى، وَمَنْ شُرْطِيَّةٌ، وَالْمَاضِي بِمَعْنَى الْمُسْتَقْبَلِ. وَ «مَا» بِمَعْنَى الَّذِي، وَ «مِنَ الْعِلْمِ» حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَا مَصْدَرِيَّةٌ عَلَى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ وَالْجُمْهُورِ ; لِأَنَّ مَا الْمَصْدَرِيَّةُ لَا يَعُودُ إِلَيْهَا ضَمِيرٌ، وَفِي حَاجَّكَ ضَمِيرُ فَاعِلٍ، إِذْ لَيْسَ بَعْدَهُ مَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ فَاعِلًا، وَالْعِلْمُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ فَاعِلًا ; لِأَنَّ مِنْ لَا تُزَادُ فِي الْجَوَابِ، وَيُخَرَّجُ عَلَى قَوْلِ الْأَخْفَشِ أَنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، وَمِنْ زَائِدَةً، وَالتَّقْدِيرُ: مِنْ بَعْدِ مَجِيءِ الْعِلْمِ إِيَّاكَ.
وَالْأَصْلُ فِي: (تَعَالَوْا) : تَعَالَيُوا ; لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمَاضِي تَعَالَى وَالْيَاءُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ وَاوٍ ;
لِأَنَّهُ مِنَ الْعُلُوِّ فَأُبْدِلَتِ الْوَاوُ يَاءً لِوُقُوعِهَا رَابِعَةً، ثُمَّ أُبْدِلَتِ الْيَاءُ أَلِفًا، فَإِذَا جَاءَتْ وَاوُ الْجَمْعِ حُذِفَتْ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَبَقِيَتِ الْفَتْحَةُ تَدُلُّ عَلَيْهَا.
وَ (نَدْعُ) : جَوَابٌ لِشَرْطٍ مَحْذُوفٍ وَ (نَبْتَهِلْ) : وَ (نَجْعَلْ) : مَعْطُوفَانِ عَلَيْهِ، وَنَجْعَلِ الْمُتَعَدِّيَةُ إِلَى مَفْعُولَيْنِ ; أَيْ نُصَيِّرُ وَالْمَفْعُولُ الثَّانِي: «عَلَى الْكَاذِبِينَ».
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَهُوَ الْقَصَصُ) : مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ فِي مَوْضِعِ خَبَرِ إِنَّ. (إِلَّا اللَّهُ) : خَبَرٌ «مِنْ إِلَهٍ» تَقْدِيرُهُ: وَمَا إِلَهٌ إِلَّا اللَّهُ.
قَالَ تَعَالَى: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (٦٣)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَإِنْ تَوَلَّوْا) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ مَاضِيًا وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَقْبَلًا تَقْدِيرُهُ: يَتَوَلَّوْا ذَكَرَهُ النَّحَّاسُ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ; لِأَنَّ حَرْفَ الْمُضَارَعَةِ لَا يُحْذَفُ.
قَالَ تَعَالَى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (سَوَاءٍ) : الْجُمْهُورُ عَلَى الْجَرِّ، وَهُوَ صِفَةٌ لِكَلِمَةٍ، وَيُقْرَأُ «سَوَاءً» بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَصْدَرِ، وَيُقْرَأُ «كِلْمَةٍ» بِكَسْرِ الْكَافِ وَإِسْكَانِ اللَّامِ عَلَى التَّخْفِيفِ وَالنَّقْلِ مِثْلُ فَخْذٍ وَكَبْدٍ. (بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ) : ظَرْفٌ لِسَوَاءٍ ; أَيْ لِتَسْتَوِيَ الْكَلِمَةُ بَيْنَنَا،
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء محبّ الدين عبد الله بن الحسين بن عبد الله العكبريّ البغدادي