قوله سبحانه : كذلك.. ( ٥٩ ) [ الروم ] أي : كتكذيبهم لكل آية تأتيهم بها يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون ( ٥٩ ) [ الروم ] أي ختمها وأغلقها.
فإن قلت : فمن المصلحة أن تظل قلوبهم مفتوحة لعلها تستقبل شيئا من الهداية والنور. نقول : الختم على قلوب هؤلاء لا يكون إلا بعد استنفاد كل وسائل الدعوة، فلم يستجيبوا فلا أمل في هدايتهم ولا جدوى من سماعهم.
والحق سبحانه وتعالى ربّ يعين عبده على ما يحب ويبلى له رغبته، حتى وإن كانت الكفر، وهؤلاء أرادوا الكفر وأحبوه، فأعانهم الله على ما أرادوا، وختم على قلوبهم حتى لا يدخلها إيمان، ولا يفارقها كفر.
لذلك سبق أن حذرنا أصحاب المصائب، أو الذين يفقدون عزيزا، حذرناهم أن يستديموا الحزن، وأن يألفوه مخافة أن يوافقكم الله على هواكم في محبة الحزن وعشقه، فتتوالى عليكم الأحزان وتتابع المصائب، إياكم أن تدعوا باب الحزن مواربا، بل أغلقوه بمسمار الرضا، فالحزن إن ظل بك فلن يدع لك حبيبا.
وكذلك نقول : إن شغل عنك شخص فلا تذكره بنفسك، بل أعنه على هجرك، وساعده بألا تذكره.
فإذا قلت : إذا كان الحق سبحانه قد وصفهم بأنهم لا يعلمون، فلماذا يختم على قلوبهم، ولماذا يحاسبهم ؟ نقول : لأن عدم العلم نتيجة تقصيرهم، فالحق سبحانه أقام لهم الأدلة والآيات الكونية الدالة على وجوده تعالى، فلم ينظروا في هذه الآيات ولم يستدلوا بالأدلة على وجود الخالق القادر سبحانه، وضرورة البلاغ عن الله، إذن : فعدم علمهم نتيجة غفلتهم وتقصيرهم.
لكن، ماذا بعد أن كذبوا الرسل وأنكروا الآيات، أتتوقف مسيرة الدعوة، لأنهم صموا آذانهم عنها ؟ لقد خلق الله الكون ونثر فيه الآيات التي تدل على وجود الإله الواحد الأحد، وجعل فيه المعجزات التي تثبت صدق الرسل في البلاغ عن الله، والحق سبحانه لا ينتفع بهذه الآيات ؛ لأن ملكه تعالى لا يزيد بطاعتنا، ولا ينقص بمعاصينا، فالمسألة تعود إلينا نحن أولا وآخرا، إذن : فالحسم في هذه المسألة : دعك من هؤلاء المكذبين يا محمد، واثبت على ما أنت عليه.
تفسير الشعراوي
الشعراوي