ثم يقول الحق سبحانه : الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ( ٤ ) .
جاءت هذه الآية كوصف للمحسنين، فهل هذه هي كل صفاتهم، أنهم يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة، وبالآخرة هم يوقنون ؟ قالوا : لا لكن هذه الصفات هي العمد الأساسية، والحق سبحانه يريد من خلقه سواسية في العبودية، وهذه السواسية لا تتأتى إلا إذا تساوى الجميع.
وفي الصلاة بالذات تتجلى هذه المساواة، وفيها يظهر عز الربوبية وذل العبودية، وفيها منتهى الخضوع لله عز وجل، ثم هي تتكرر خمس مرات في اليوم والليلة.
أما الفرائض الأخرى فلا تأخذ هذه الصورة، فالزكاة مثلا تجب مرة واحدة في العام وآتوا حقه يوم حصاده ( ١٤١ ) [ الأنعام ] وتجب على القادر فقط دون غيره، كذلك الصوم والحج، فكأن الصلاة هي عمدة العبادات كلها، ولشرفها ومنزلتها جعلها الله لازمة للعبد ولا تسقط عنه بحال أبدا ؛ لذلك شرعت صلاة المريض والمسافر والخائف... الخ.
وفي الصلاة استطراق للعبودية في الخلق جميعا، حيث نخلع أقدارنا حين نخلع نعالنا على باب المسجد، ففي الصف الواحد، الرئيس والمرءوس، والكبير والصغير، والرفيع والوضيع نقصد الوضيع في نظر الناس، وربما لا يكون وضيعا عند ربه فالجميع هنا سواء، ثم حين نرى الكبار والرؤساء والسادة معنا في الصفوف خاضعين لله أذلاء تزول بيننا الفوارق، ويدك في نفوسهم الكبرياء، فلا يتعالى أحد في مجتمع المسلمين على أحد.
ولمنزلة الصلاة وأهميتها رأينا كيف أنها الفريضة الوحيدة التي فرضها الله علينا بالمباشرة، أما باقي التكاليف فقد فرضت بواسطة الوحي، وسبق أن ضربنا مثلا لذلك برئيس العمل حينما يأتيه أمر هام، فلا يأمر به بمكاتبة أو بالتليفون، إنما يستدعي الموظف المختص إلى مكتبه، ويلقى إليه الأمر مباشرة.
وكذلك رسول الله استدعاه ربه إلى السماء، وأخذ حظا بالقرب من الله تعالى، والله سبحانه يعلم حب الرسول لأمته وحرصه عليهم، وعلى أن ينالوا هم أيضا هذا القرب من حضرته تعالى، فأجابه ربه، وجعل الصلاة حضورا للعبد في حضرته تعالى، وقربا كقرب رسول الله في رحلة المعراج.
لذلك خاطبه ربه بقوله : ولسوف يعطيك ربك فترضى ( ٥ ) [ الضحى ].
فقال سيدنا رسول الله :( إذن، لا أرضى وواحد من أمتي في النار )(١).
وكما تحدث الصلاة استطراق عبودية تحدث الزكاة في المجتمع استطراقا اقتصاديا، فيعيش الجميع الغني والفقير عيشة كريمة ميسرة، فلا يشبع واحد حتى التخمة، والآخر يموت جوعا. وما بالك بمجتمع لا يتعالى فيه الكبير على الصغير ولا يبخل فيه الغني على الفقير ؟ إذن : في الصلاة والزكاة ما يكفل سعادة المجتمع كله.
وقد فرض الله الزكاة للفقراء : لأن الله سبحانه حين يستدعي عبده إلى كونه لا بد أن يضمن له مقومات الحياة، ولم لا وأنت إذا دعوت شخصا إلى بيتك لا بد أن تكرمه، وأن تعد له على الأقل ضروريات ما يلزمه فضلا عن الإكرام والحفاوة ورفاهية المأكل والمشرب.. الخ.
فالله سبحانه استدعى عباده إلى الوجود مؤمنهم وكافرهم، وعليه سبحانه أن يوفر لهم القوت، بل كل مقومات حياتهم، كذلك يضمن للعاجز غير القادر قوته، لذلك يفرض الزكاة حقا معلوما للسائل والمحروم، فهي صلات والأولى صلاة.
ولهذه المسألة قصة في الأدب العربي، فيروى أن ابن المدبر وكنيته أبو الحسن، كان الشعراء يقصدونه للنيل من عطاياه، يقولون : إن اللها تفتح اللها(٢)، أي : أن العطايا تفتح الأفواه بالمدح والثناء.
لكن، كان ابن المدبر إذا مدحه شاعر بشعر لم يعجبه يأمر رجاله أن يأخذوه إلى المسجد ولا يتركوه حتى يصلي لله مائة ركعة، وبذلك خافه الشعراء وتحاشوا الذهاب إليه إلا أبو عبد الله الحسين بن عبد السلام البشرى، ذهب إليه وقال : عندي شعر أحب أن أنشده لك، فقال : أتدري ما الشرط ؟ قال : نعم، قال : قل ما عندك، فقال :
أردنا في أبي حسن مديحا كما بالمدح تنتجع الولاة
يعني : يذهب الشعراء إليهم لينالوا من خيراتهم.
فقلنا أكرم الثقلين طرا ومن كفيه دجلة والفرات
وقالوا يقبل المدحاة لكن جوائزه عليهن الصلاة
فقلت لهم وما تغنى صلاتي عيالي إنما الشأن الزكاة
فيأمر لي بكسر الصاد منها فتصبح لي الصلات هي الصلاة
فلما تجرّأ عليه أحدهم وسأله : لماذا تعاقب من لم يعجبك شعره بصلاة مائة ركعة ؟ فقال : لأنه إما مسيء وإما محسن، فإن كان مسيئا فهي كفارة لإساءته في شعره، وإن كان محسنا فهي كفارة لكذبه فيّ.
ثم يقول سبحانه في وصفهم : وهم بالآخرة هم يوقنون ( ٤ ) [ لقمان ] لأن الإيمان باليوم الآخر يقتضي أن نعمل بمنهج الله في ( افعل كذا ) و( لا تفعل كذا )، ونحن على يقين من أننا لن نفلت من الله ولن نهرب من عقابه في الآخرة، وأننا محاسبون على أعمالنا، فلم نخلق عبثا، ولن نترك سدى، كما قال سبحانه : أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون ( ١١٥ ) [ المؤمنون ].
ونلحظ هنا في الأسلوب تكرار ضمير الغيبة ( هم ) فقال : وهم بالآخرة هم يوقنون ( ٤ ) [ لقمان ] وذا يدلنا على أن الإيمان بالآخرة أمر مؤكد لا شك فيه، ومع أن الناس يؤمنون بهذا اليوم، ويؤمنون أنهم محاسبون، وأن الله لم يكلفهم عبثا مع هذا يؤكد الحق سبحانه على أمر الآخرة، لأنها مسألة بعيدة في نظر الناس، وربما غفلوا عنها لبعدها عنهم، ولم لا وهم يغفلون حتى عن الموت الذي يرونه أمامهم كل يوم، ولكن عادة الإنسان أن يستبعده في حق نفسه.
لذلك يقول الحسن البصري(٣) : ما رأيت يقينا أشبه بالشك من يقين الناس بالموت.
أما الكفار فينكرون هذا اليوم، ولا يؤمنون به ؛ لذلك أكد الله عليه.
ولما سأل النبي صلى الله عليه وسلم حذيفة(٤) رضي الله عنه : " كيف أصبحت يا حذيفة ؟ " قال : أصبحت مؤمنا حقا، فقال : " لكل حقّ حقيقة فما حقيقة إيمانك ؟ قال : عزفت نفسي عن الدنيا فاستوى عندي ذهبها ومدرها(٥)، وكأنى أنظر إلى أهل الجنة في الجنة ينعمون، وإلى أهل النار في النار يعذبون " فقال صلى الله عليه وسلم : " عرفت فالزم ".
وقوله يوقنون ( ٤ ) [ لقمان ] من اليقين، وهو الإيمان الراسخ الذي لا يتزعزع، ولا يطرأ عليه شكّ فيطفو إلى العقل ليناقش من جديد، وسبق أن قلنا : إن المعلومة تتدرج على ثلاث مراحل : علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين.
علم اليقين إذا أخبرك به من تثق به، فإذا رأيت ما أخبرك به فهو عين اليقين، فإذا باشرت ذلك بنفسك فهو حق اليقين.
وضربنا لذلك مثلا إذا قلت لك : إن البيت الحرام في مكة وصفته كذا وكذا، وقد حدثت فيه توسعات كذا وكذا، فهذه المعلومات بالنسبة لك علم يقين، فإذا رأيت الحرم فهي عين يقين، فإذا يسر الله لك الحج أو العمرة فباشرته بنفسك، فهو حق اليقين.
والحق سبحانه وتعالى عالج هذه المراتب في سورتين : ألهاكم التكاثر ( ١ ) حتى زرتم المقابر ( ٢ ) كلا سوف تعلمون ( ٣ ) ثم كلا سوف تعلمون ( ٤ ) كلا لو تعلمون علم اليقين ( ٥ ) لترون الجحيم ( ٦ ) ثم لترونها عين اليقين ( ٧ ) ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ( ٨ ) [ التكاثر ].
وذلك حين يمرون على الصراط ويرون النار بأعينهم رأى العين.
أما حق اليقين بالنسبة للنار، فقد جاء في قوله تعالى : فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ ( ٨٨ ) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ ( ٨٩ ) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ ( ٩٠ ) فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ ( ٩١ ) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ ( ٩٢ ) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ ( ٩٣ ) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ ( ٩٤ ) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ ( ٩٥ ) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ( ٩٦ ) [ الواقعة ].
لكن، هل القرآن نزل هدى للمتقين، وهدى للمحسنين فحسب ؟ قلنا : إن الهداية تأتي بمعنيين : هداية دلالة وإرشاد، وهداية توفيق ومعونة، فإن كانت هداية دلالة فقد دلّ الله المؤمن والكافر بدليل قوله تعالى : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى ( ١٧ ) [ فصلت ]
فالحق سبحانه دلّ الجميع لأنهم عباده، فمنهم من قبل الدلالة واقتنع بها فآمن، ومنهم من رفضها فكفر، أما الذي قبل دلالة الله وآمن به فيزيده الله هداية أخرى، هي المعونة على الإيمان، فيحببه إليه حتى يعشقه، ثم يعينه عليه، كما قال سبحانه : وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ( ١٧ ) [ محمد ].
٢ اللها: أفضل العطايا وأجزلها. ويقال: إنه لمعطاء للها إذا كان جوادا يعطي الشيء الكثير. واللهاة: لحمة حمراء في الحنك في أقصى سقف الفم: [لسان العرب ـ مادة لها]..
٣ هو: الحسن بن أبي الحسن أبو سعيد البصري، نشأ بالمدينة، وحفظ كتاب في خلافة عثمان، وسمعه يخطب مرات، كان عالما رفيعا ثقة حجة مأموما عابدا ناسكا كثير العلم فصيحا جميعا وسيما، مات سنة عشر ومائة، وله ثمان وثمانون سنة. [تذكرة الحفاظ للذهبي ١/٧١]..
٤ ما ورد كان في حق الحارث بن مالك الأنصاري. أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١/٥٧) وعزاه للطبراني في المعجم الكبير (٣/٣٠٢) وقال الهيثمي: "فيه ابن لهيعة". وكذا أورده عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم لقى رجلا يقال له حارثة في بعض سكك المدينة فقال: كيف أصبحت يا حارثة؟ الحديث وعزاه للبزار وفيه يوسف بن عطية لا يحتج به..
٥ المدر: قطع الطين اليابس. وهو الطين المتماسك. [لسان العرب ـ مادة مدر]..
تفسير الشعراوي
الشعراوي