وقرأ حمزة: هدى ورحمةٌ، بالرفع على إضمار هو، وعلى معنى: تلك هدى ورحمة هذا قول أبي إسحاق، وهو معنى قول الفراء (١): رفعها حمزة على الاستئناف؛ لأنها مستأنفة في آية منفصلة من الآية التي قبلها (٢).
وقال أبو علي: وجه النصب أنه انتصب على الاسم المبهم، وهو من كلام واحد، والرفع على إضمار المبتدأ، أي هو هدى ورحمة (٣).
قال ابن عباس ومقاتل والكلبي: بيان من الضلالة والرحمة من العذاب (٤). للمحسنين (٥) للموحدين من أمة محمد -صلى الله عليه وسلم-.
٤ - وقوله: الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ قال صاحب النظم: يحتمل أن يكون هذا متصلًا بما قبله على أن يكون نعتًا للمحسنين، ويحتمل أن يكون منقطعًا مبتدئًا، ويكون:
٥ - قوله: أُولَئِكَ عَلَى هُدًى خبر له، وعلي القول الأول: أُولَئِكَ مبتدأ مما قبله وخبره في قوله: عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ. وَأُولَئِكَ مبتدأ ثان معطوف على ما قبله وخبره في قوله: هُمُ الْمُفْلِحُونَ وتفسير هذه الآيات [ماض] (٦) فيما تقدم (٧).
٦ - وقوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ قال الكلبي ومقاتل: نزلت في النضر بن الحارث الداري وكان يشتري كتبًا فيها أخبار
(٣) "الحجة" ٥/ ٤٥٢.
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" ٨١/ أ، ولم أقف على من نسبه للكلبي.
(٥) ساقط من (أ)، وفي (ب): (للمؤمنين)، وهو خطأ.
(٦) ما بين المعقوفين مطموس في (ب).
(٧) عند الآية رقم (٥) من سورة البقرة.
الأعاجم ويحدث بها أهل مكة، ويقول: محمد يحدثكم أحاديث عاد وثمود، وأنا أحدثكم حديث (١) فارس والروم وملوك الحيرة (٢).
قال مقاتل: لهو الحديث: باطل الحديث، يعني باع القرآن بالحديث الباطل حديث رستم وأسفنديار، فزعم أن القرآن مثل حديث الأولين (٣). وهذا القول هو [قول] (٤) الفراء وابن قتيبة (٥)، وهو قول ابن عباس في رواية عطاء قال: ومن يشتري (٦) هو النضر بن الحارث خرج إلى الحيرة فاشتري أحاديث الأولين، وجاء بها إلى مكة، واجتمع إليه المشركون يقرأها عليهم، ويقول: أنا اقرأ عليكم كما يقرأ عليكم محمد أساطير الأولين. هذا قول معمر (٧) (٨).
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" ٨١/ أ، "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٣٢٦، "تفسير الماوردي" ٤/ ٢٩، "زاد المسير" ٦/ ٣١٦. والحيرة: بالكسر ثم السكون مدينة كانت على ثلاثة أميال من الكوفة، على موضع يقال له: النجف، زعموا أن بحر فارس كان يتصل بها.
انظر: "معجم البلدان" لياقوت ٢/ ٣٢٨.
(٣) "تفسير مقاتل" ٢/ ٨١ أ.
(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).
(٥) انظر: "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٣٢٦ ونسبه لابن عباس، "غريب القرآن" لابن قتيبة ص ٣٤٤.
(٦) في (أ): زيادة (قال)، وهو خطأ.
(٧) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" ١٤/ ٥٢، وذكره الفراء في "معاني القرآن" ٢/ ٣٢٦ غير منسوب لأحد.
(٨) هو: الإمام الحافظ شيخ الإسلام أبو عروة بن أبي عمرو الأزدي مولاهم البصري نزيل اليمن، صاحب الزهري كهلًا، وأقدم شيوخه موتًا قتادة. ولد سنة خمس أو ست وتسعين، ارتحل في طلب الحديث إلى اليمن، فلقي بها همام بن منبه =
وأكثر المفسرين على أن المراد بلهو الحديث: الغناء، وهو رواية سعيد بن جبير ومقسم عن ابن عباس (١)، وأبي الصهباء (٢) عن ابن مسعود (٣)، وهو قول مجاهد وعكرمة (٤).
وروى ابن أبي [...] (٥) عن أبيه عن ابن عباس في قوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ قال: اشتراء الجارية تغنيه ليلاً ونهارًا (٦).
(١) انظر: "تفسير الطبري" ٢١/ ٦١، "تفسير الماوردي" ٤/ ٣٢٨، "مجمع البيان" ٨/ ٤٩٠، "زاد المسير" ٦/ ٣١٦، البيهقي في "السنن الكبرى" ١٠/ ٢٢٣.
(٢) هو: صهيب أبو الصهباء البكري البصري، ويقال: المدني، مولى ابن عباس، روى عن مولاه ابن عباس وعلي بن أبي طالب وعثمان بن عفان وابن مسعود. وعنه سعيد بن جبير وطاوس بن كيسان وجماعة. قال عنه أبو زرعة: مدني ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات. روى له مسلم وأبو داود والنسائي، وقد ضعفه النسائي.
انظر: "تهذيب الكمال" ١٣/ ٢٤١، "الكاشف" ١/ ٥٠٥، "التاريخ الكبير" ٤/ ٣١٦.
(٣) انظر: "تفسير الطبري" ٢١/ ٦١، "تفسير الماوردي" ٤/ ٣٢٨، "مجمع البيان" ٨/ ٤٩٠، زاد المسير ٦/ ٣١٦. وأخرجه الحاكم في "المستدرك" كتاب التفسير: تفسير سورة لقمان ٢/ ٤١١، وقال عنه: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. والبيهقي في "السنن الكبرى" ١٠/ ٢٢٣.
(٤) انظر: "تفسير عبد الرزاق" ٢/ ١٠٥، "تفسير الطبري" ٢١/ ٦١ وما بعدها، "تفسير الثعلبي" ٣/ ١٨١ ب، "تفسير الماوردي" ٤/ ٣٢٨، "زاد المسير" ٦/ ٣١٦.
(٥) ما بين المعقوفين بقدر كلمة غير واضحة.
(٦) أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" ١٠/ ٢٢٣ عن ابن عباس قال: هو الغناء وأشباهه. وكذا في "معرفة السنن والآثار" ١٤/ ٣٢٧ رقم ٢٠١٥٧.
وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد في هذه الآية، قال: اشترى المغني والمغنية بالمال الكثير والاستماع إليه وإلي مثله من الباطل (١). وهو قول مكحول (٢).
وروي ذلك مرفوعًا، روى القاسم عن أبي أمامة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا يحل تعليم المغنيات ولا بيعهن، وأثمانهن حرام"، وفي مثل هذا نزلت الآية: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ (٣) وهذا القول اختيار أبي إسحاق قال: أكثر ما جاء في التفسير أن لهو الحديث هاهنا الغناء؛ لأنه يلهي عن ذكر الله (٤).
قال أهل المعاني: ويدخل في هذا كل من اختار اللهو والغناء والمزامير والمعازف على القرآن (٥). وإن كان اللفظ قد ورد بالشراء ولفظ
(٢) ذكر قول مكحول البغوي في "تفسيره" بهامش "تفسير الخازن" ٥/ ٢١٤، والخازن في "تفسيره" ٥/ ٢١٤، قال مكحول: من اشترى جارية ضرابة ليمسكها لغنائها وضربها مقيمُا عليه حتى يموت لم أصل عليه، وإن الله يقول: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ الآية.
(٣) رواه أحمد ٥/ ٢٦٤، والترمذي ٥/ ٢٦ وقال: هذا حديث غريب، وابن ماجه في في التجارات، باب ما لا يحل بيعه، رقم (٢١٦٨)، والطبري في "تفسيره" ٢١/ ٦٠، والطبراني في "المعجم الكبير" ٨/ ٢١٢، ٢٥٣.
(٤) "معاني القرآن وإعرابه" ٤/ ١٩٤.
(٥) انظر: "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٣٢٧، "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج ٤/ ١٩٤، "معاني القرآن" للنحاس ٥/ ٢٧٧ وما بعدها.
ويقصد بأهل المعاني: من كتبوا في معاني القرآن من جهة اللغة والنحو، كالفراء والزجاج وابن الأنباري والأخفش. قال في "البرهان" ١/ ١٩٢: قال ابن الصلاح: =
الشراء يذكر في الاستبدال والاختيار، وهو كثير في القرآن، ويدل على هذا ما قال قتادة في هذه الآية: أما والله لعله ألا يكون (١) أنفق مالاً، وبحسب المرء من الضلالة أن يختار حديث الباطل على حديث الحق (٢). وهذه الآية -على هذا التفسير- تدل على تحريم الغناء، وفيه تفصيل يحتاج إلى ذكره هاهنا.
قال الشافعي رحمه الله: وإن كان يديم الغناء، ويغشاه المغنون معلنًا فهذا سفه يرد به معنى الشهادة، وإن كان ذلك بقل لم يرد، فأما استماع الحداء ونشيد الأعراب والرجز فلا بأس به (٣)، هذا كلامه.
قال أصحابنا: نشيد الأعراب يجوز استماعه، وإن أنشد في الألحان في الحداء وغيره، وأما الغناء المحض فالقليل منه لا يعد سفهًا، والمداومة عليه من جملة السفه لا سيما مع الإعلان، وأما الأوتار والمزامير والمعازف كلها حرام، وكذلك طبل اللهو، أما الراع فمكروه استماعه مع تخفيف فيه؛ لما روي عن نافع عن (٤) ابن عمر سمع صوت زمارة راع، فجعل أصبعيه في أذنيه، وعدا عن الطريق، وجعل يقول: يا نافع: أتسمع؟ فأقول: نعم، فلما قلت: لا، راجع الطريق، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يفعله (٥).
(١) في (ب): (إلا أن يكون).
(٢) انظر: "تفسير عبد الرزاق" ٢/ ١٠٥، "تفسير الطبري" ٢١/ ٦١، "المحرر الوجيز" ١١/ ٤٨٤.
(٣) "الأم" ٦/ ٢١٤.
(٤) هكذا في النسخ، ولعل الصواب: أن.
(٥) ذكره صاحب "كنز العمال" ١٥/ ٢٢٧، رقم الحديث (٤٠٦٩٢) وقال: أخرجه ابن =
فلما اقتصر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على وضع الأصبع في الأذن ولم يصرح بالنهي عنه، دل على ما ذكرنا. وأما غناء الفساق فذلك أشد ما في الباب. وذلك لكثرة الوعيد الوارد فيه، وهو: ما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "من استمع إلى قينة صب في أذنيه الآنك يوم القيامة" (١).
وأما الدف فمباح، ضرب بين يدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم دخل المدينة فهم أبو بكر بالزجر، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "دعهن يا أبا بكر حتى تعلم اليهود أن ديننا فسيح" فكن يضربن ويقلن:
نحن بنات النجار... حبذا محمد من جار (٢)
وأما الحركة التي تعتري الإنسان عند السماع، فما حصل منه والإنسان فيه كالمغلوب فذلك لا يعد سفهًا. فقد روي أن زيد بن حارثة لما نزل اسمه في القرآن حجل (٣) (٤). وأما حالة الاختيار فذلك غير حميد. فمعناه:
(١) ذكره صاحب "كنز العمال" ٣/ ٦٦٢، وقال: أخرجه ابن عساكر عن أنس.
(٢) ذكر هذا الأثر الإمام ابن كثير في "البداية والنهاية" ٣/ ٢١٩، وفي "السيرة النبوية" ٢/ ٢٧٤، وقال عنه: هذا حديث غريب من هذا الوجه، لم يروه أحد من أصحاب السنن، وقد خرجه الحاكم في "مستدركه" كما يروى. وذكره الحلبي في "السيرة الحلبية" ٢/ ٢٤٦، وأورده كذلك الشامي في "سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد" ٣/ ٢٧٤.
(٣) حجل، قال الأزهري: الإنسان إذا رفع رجلاً وتريث في مشيه على رجل فقد حجل. قلت: ومثل هذه الحالة تكون من الإنسان حينما يفرح. انظر: "اللسان" ١١/ ١٤٤.
(٤) هذا الأثر ذكره ابن منظور في "اللسان" ١١/ ١٤٤.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي