وَ (وَعْدَ اللَّهِ) : نُصِبَ عَلَى الْمَصْدَرِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ سَنُدْخِلُهُمْ بِمَنْزِلَةِ وَعَدَهُمْ. وَ (حَقًّا) : حَالٌ مِنَ الْمَصْدَرِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ: حَقَّ ذَلِكَ حَقًّا.
قَالَ تَعَالَى: (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) (١٢٣).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ) : اسْمُ لَيْسَ مُضْمَرٌ فِيهَا، وَلَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ، وَإِنَّمَا دَلَّ عَلَيْهِ سَبَبُ الْآيَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْيَهُودَ قَالُوا نَحْنُ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ، وَقَالَتِ النَّصَارَى ذَلِكَ، وَقَالَ الْمُشْرِكُونَ لَا نُبْعَثُ. فَقَالَ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ؛ أَيْ: لَيْسَ مَا ادَّعَيْتُمُوهُ.
قَالَ تَعَالَى: (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا) (١٢٤).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَفِي صَاحِبِهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: ضَمِيرُ الْفَاعِلِ فِي يَعْمَلُ. وَالثَّانِي: مِنَ الصَّالِحَاتِ؛ أَيْ: كَائِنَةً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى أَوْ وَاقِعَةً، وَمِنَ الْأُولَى زَائِدَةٌ عِنْدَ الْأَخْفَشِ، وَصِفَةٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ؛ أَيْ: شَيْئًا مِنَ الصَّالِحَاتِ: وَهُوَ مُؤْمِنٌ حَالٌ أَيْضًا.
قَالَ تَعَالَى: (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا) (١٢٥).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِمَّنْ أَسْلَمَ) : يَعْمَلُ فِيهِ أَحْسَنُ، وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِكَ زَيْدٌ أَفْضَلُ مِنْ عَمْرٍو؛ أَيْ: يَفْضُلُ عَمْرًا. وَ (لِلَّهِ) : يَتَعَلَّقُ بِأَسْلَمَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ «وَجْهِهِ». (وَاتَّبَعَ) : مَعْطُوفٌ عَلَى أَسْلَمَ.
وَ (حَنِيفًا) : حَالٌ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْبَقَرَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَاهُنَا حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي اتَّبَعَ. (وَاتَّخَذَ اللَّهُ) : مُسْتَأْنَفٌ.
قَالَ تَعَالَى: (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا) (١٢٧).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَا يُتْلَى) : فِي «مَا» وُجُوهٌ: أَحَدُهَا: مَوْضِعُهَا جَرٌّ عَطْفًا عَلَى الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ بِفِي، وَعَلَى هَذَا قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ؛ لِأَنَّهُمْ يُجِيزُونَ الْعَطْفَ عَلَى الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ مِنْ غَيْرِ إِعَادَةِ الْجَارِّ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى مَعْنًى، وَنُبَيِّنُ لَكُمْ مَا يُتْلَى؛ لِأَنَّ مَعْنَى يُفْتِيكُمْ: يُبَيِّنُ لَكُمْ. وَالثَّالِثُ: هُوَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ. وَفِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى ضَمِيرِ الْفَاعِلِ فِي يُفْتِيكُمْ، وَجَرَى الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ مَجْرَى التَّوْكِيدِ؛ وَالثَّانِي: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى اسْمِ اللَّهِ، وَهُوَ: قُلِ اللَّهُ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ يُبَيِّنُ لَكُمْ، وَ «فِي» تَتَعَلَّقُ بِيُتْلَى، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي يُتْلَى. وَ (فِي يَتَامَى) : تَقْدِيرُهُ: حُكْمُ يَتَامَى، فَفِي الثَّانِيَةِ تَتَعَلَّقُ بِمَا تَعَلَّقَتْ بِهِ الْأُولَى؛ لِأَنَّ مَعْنَاهَا مُخْتَلِفٌ، فَالْأُولَى ظَرْفٌ، وَالثَّانِيَةُ بِمَعْنَى الْبَاءِ؛ أَيْ: بِسَبَبِ الْيَتَامَى كَمَا تَقُولُ: جِئْتُكَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ فِي أَمْرِ زَيْدٍ، وَقِيلَ: الثَّانِيَةُ بَدَلٌ مِنَ الْأُولَى،
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء محبّ الدين عبد الله بن الحسين بن عبد الله العكبريّ البغدادي