وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ) : أُحْضِرَتْ يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ، تَقُولُ أَحْضَرْتُ زَيْدًا الطَّعَامَ، وَالْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ الْأَنْفُسُ، وَهُوَ الْقَائِمُ مَقَامَ الْفَاعِلِ، وَهَذَا الْفِعْلُ مَنْقُولٌ بِالْهَمْزَةِ مِنْ حَضَرَ، وَحَضَرَ يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ، كَقَوْلِهِمْ حَضَرَ الْقَاضِي الْيَوْمَ امْرَأَةٌ.
قَالَ تَعَالَى: (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا) (١٢٩).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (كُلَّ الْمَيْلِ) : انْتِصَابُ «كُلَّ» عَلَى الْمَصْدَرِ؛ لِأَنَّ لَهَا حُكْمَ مَا تُضَافُ إِلَيْهِ، فَإِنْ أُضِيفَتْ إِلَى مَصْدَرٍ كَانَتْ مَصْدَرًا، وَإِنْ أُضِيفَتْ إِلَى ظَرْفٍ كَانَتْ ظَرْفًا. (فَتَذَرُوهَا) : جَوَابُ النَّهْيِ؛ فَهُوَ مَنْصُوبٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى تَمِيلُوا، فَيَكُونَ مَجْزُومًا. (كَالْمُعَلَّقَةِ) : الْكَافُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا) (١٣١).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِيَّاكُمْ) : مَعْطُوفٌ عَلَى الَّذِينَ، وَحُكْمُ الضَّمِيرِ الْمَعْطُوفِ أَنْ يَكُونَ مُنْفَصِلًا. وَ (أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وَجَرٍّ عِنْدَ الْخَلِيلِ؛ وَالتَّقْدِيرُ: بِأَنِ اتَّقُوا اللَّهَ، وَأَنْ عَلَى هَذَا مَصْدَرِيَّةٌ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى أَيْ؛ لِأَنَّ وَصَّيْنَا فِي مَعْنَى الْقَوْلِ فَيَصِحُّ أَنْ يُفَسَّرَ بِأَيِ التَّفْسِيرِيَّةِ.
قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) (١٣٥).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (شُهَدَاءَ) : خَبَرٌ ثَانٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي «قَوَّامِينَ». (عَلَى أَنْفُسِكُمْ) : يَتَعَلَّقُ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ «شُهَدَاءَ» ؛ أَيْ: وَلَوْ شَهِدْتُمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوَّامِينَ. (إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا) : اسْمُ كَانَ مُضْمَرٌ فِيهَا دَلَّ عَلَيْهِ تَقَدُّمُ ذِكْرِ الشَّهَادَةِ؛ أَيْ: إِنْ كَانَ الْخَصْمُ، أَوْ إِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَالْمَشْهُودِ لَهُ.
وَفِي (أَوِ) : وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هِيَ بِمَعْنَى الْوَاوِ، وَحُكِيَ عَنِ الْأَخْفَشِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الضَّمِيرُ فِي: بِهِمَا عَائِدًا عَلَى لَفْظِ غَنِيٍّ وَفَقِيرٍ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ «أَوْ» عَلَى بَابِهَا، وَهِيَ هُنَا لِتَفْصِيلِ مَا أُبْهِمَ فِي الْكَلَامِ، وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَالْمَشْهُودِ لَهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ غَنِيًّا وَأَنْ يَكُونَ فَقِيرًا، فَقَدْ يَكُونَانِ غَنِيَّيْنِ، وَقَدْ يَكُونَانِ فَقِيرَيْنِ، وَقَدْ يَكُونُ أَحَدُهُمَا غَنِيًّا وَالْآخَرُ فَقِيرًا، فَلَمَّا كَانَتِ الْأَقْسَامُ عِنْدَ التَّفْصِيلِ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ تُذْكَرْ، أَتَى بَأَوْ لِتَدُلَّ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ؛ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الضَّمِيرُ فِي بِهِمَا عَائِدًا عَلَى الْمَشْهُودِ لَهُ وَالْمَشْهُودِ عَلَيْهِ عَلَى أَيِّ وَصْفٍ كَانَا عَلَيْهِ لَا عَلَى الصِّفَةِ. وَقِيلَ: الضَّمِيرُ عَائِدٌ إِلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ؛ وَالتَّقْدِيرُ: فَاللَّهُ أَوْلَى بِالْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ. وَقِيلَ يَعُودُ عَلَى الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ لِدَلَالَةِ الِاسْمَيْنِ عَلَيْهِ. (أَنْ تَعْدِلُوا) : فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا تَقْدِيرُهُ: فِي أَنْ لَا تَعْدِلُوا فَحَذَفَ لَا؛ أَيْ: لَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى فِي تَرْكِ الْعَدْلِ. وَالثَّانِي: تَقْدِيرُهُ: ابْتِغَاءَ أَنْ تَعْدِلُوا عَنِ الْحَقِّ. وَالثَّالِثُ: تَقْدِيرُهُ: مَخَافَةَ أَنْ تَعْدِلُوا عَنِ الْحَقِّ، وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ هُوَ مَفْعُولٌ لَهُ،
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء محبّ الدين عبد الله بن الحسين بن عبد الله العكبريّ البغدادي