أَحَدُهُمَا: هِيَ بِمَعْنَى مَنْ؛ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ: «أَنْ تَبْتَغُوا» فِي مَوْضِعِ جَرٍّ أَوْ نَصْبٍ عَلَى تَقْدِيرِ بِأَنْ تَبْتَغُوا، أَوْ لِأَنْ تَبْتَغُوا؛ أَيْ: أُبِيحَ لَكُمْ غَيْرُ مَا ذَكَرْنَا مِنَ النِّسَاءِ بِالْمُهُورِ. وَالثَّانِي: أَنَّ «مَا» بِمَعْنَى الَّذِي، وَالَّذِي كِنَايَةٌ عَنِ الْفِعْلِ؛ أَيْ: وَأُحِلَّ لَكُمْ تَحْصِيلُ مَا وَرَاءَ ذَلِكَ الْفِعْلِ الْمُحَرَّمِ، وَأَنْ تَبْتَغُوا بَدَلٌ مِنْهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَنْ تَبْتَغُوا فِي هَذَا الْوَجْهِ مِثْلَهُ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ. وَ (مُحْصِنِينَ) : حَالٌ مِنَ الْفَاعِلِ فِي تَبْتَغُوا. (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ) : فِي «مَا» وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هِيَ بِمَعْنَى مَنْ، وَالْهَاءُ فِي «بِهِ» تَعُودُ عَلَى لَفْظِهَا. وَالثَّانِي: هِيَ بِمَعْنَى الَّذِي، وَالْخَبَرُ «فَآتُوهُنَّ» وَالْعَائِدُ مِنْهُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ: لِأَجْلِهِ؛ فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ شَرْطًا، وَجَوَابُهَا فَآتُوهُنَّ، وَالْخَبَرُ فِعْلُ الشَّرْطِ وَجَوَابُهُ، أَوْ جَوَابُهُ فَقَطْ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ. وَيَجُوزُ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الَّذِي، وَلَا تَكُونُ شَرْطًا بَلْ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ، وَاسْتَمْتَعْتُمْ صِلَةٌ لَهَا، وَالْخَبَرُ فَآتُوهُنَّ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً لِفَسَادِ الْمَعْنَى، وَلِأَنَّ الْهَاءَ فِي «بِهِ» تَعُودُ عَلَى مَا، والْمَصْدَرِيَّةُ لَا يُعُودُ عَلَيْهَا ضَمِيرٌ. (مِنْهُنَّ) : حَالٌ مِنَ الْهَاءِ فِي بِهِ. (فَرِيضَةً) : مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أَوْ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي آيَةِ الْوَصِيَّةِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٢٥).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ) : شَرْطٌ وَجَوَابُهُ: «فَمِمَّا مَلَكَتْ». وَ (مِنْكُمْ) : حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي يَسْتَطِعْ. (طَوْلًا) : مَفْعُولُ يَسْتَطِعْ. وَقِيلَ: هُوَ مَفْعُولٌ لَهُ، وَفِيهِ حَذْفُ مُضَافٌ؛ أَيْ: لِعَدَمِ الطَّوْلِ. وَأَمَّا «أَنْ يَنْكِحَ» فَفِيهِ وَجْهَانِ:: أَحَدُهُمَا هُوَ بَدَلٌ مِنْ طَوْلٍ، وَهُوَ بَدَلُ الشَّيْءِ مِنَ الشَّيْءِ، وَهُمَا لِشَيْءٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ الطَّوْلَ هُوَ الْقُدْرَةُ، أَوِ الْفَضْلُ، وَالنِّكَاحَ قُوَّةٌ وَفَضْلٌ. وَالثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونَ بَدَلًا؛ بَلْ هُوَ مَعْمُولُ طَوْلٍ، وَفِيهِ عَلَى هَذَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ مَنْصُوبٌ بِطَوْلٍ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَنَالَ نِكَاحَ الْمُحْصَنَاتِ، وَهُوَ مِنْ قَوْلِكَ: طُلْتُهُ؛ أَيْ: نِلْتُهُ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْفَرَزْدَقِ:
| إِنَّ الْفَرَزْدَقَ صَخْرَةٌ عَادِيَّةٌ | طَالَتْ فَلَيْسَ يَنَالُهَا الْأَوْعَالَا. |
وَقِيلَ: الْمَحْذُوفُ اللَّامُ؛ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ فِي مَوْضِعِ صِفَةِ طَوْلٍ وَالطَّوْلُ الْمَهْرُ؛ أَيْ: مَهْرًا كَائِنًا لِأَنْ يَنْكِحَ.
وَقِيلَ: هُوَ مَعَ تَقْدِيرِ اللَّامِ مَفْعُولُ الطَّوْلِ؛ أَيْ: طَوْلًا لِأَجْلِ نِكَاحِهِنَّ.
(فَمِنْ مَا) : فِي «مِنْ» وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هِيَ زَائِدَةٌ؛ وَالتَّقْدِيرُ: فَلْيَنْكِحْ مَا مَلَكَتْ. صفحة رقم 348
وَالثَّانِي: لَيْسَتْ زَائِدَةً، وَالْفِعْلُ الْمُقَدَّرُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: فَلْيَنْكِحِ امْرَأَةً مِمَّا مَلَكَتْ، وَ «مِنْ» عَلَى هَذَا صِفَةٌ لِلْمَحْذُوفِ وَقِيلَ: مَفْعُولُ الْفِعْلِ الْمَحْذُوفِ «فَتَيَاتِكُمْ» ؛ وَمِنَ الثَّانِيَةِ زَائِدَةٌ. وَ (وَالْمُؤْمِنَاتِ) : عَلَى هَذِهِ الْأَوْجُهِ صِفَةُ الْفَتَيَاتِ. وَقِيلَ: مَفْعُولُ الْفِعْلِ الْمَحْذُوفِ «الْمُؤْمِنَاتِ» ؛ وَالتَّقْدِيرُ: مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْفَتَيَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ، وَمَوْضِعُ «مِنْ فَتَيَاتِكُمْ» إِذَا لَمْ تَكُنْ «مِنْ» زَائِدَةً حَالٌ مِنَ الْهَاءِ الْمَحْذُوفَةِ فِي مَلَكَتْ. وَقِيلَ: فِي الْكَلَامِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ؛ تَقْدِيرُهُ: فَلْيَنْكِحْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضِ الْفَتَيَاتِ؛ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ: «وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ» مُعْتَرِضًا بَيْنَ الْفِعْلِ وَالْفَاعِلِ. وَ (بَعْضُكُمْ) : فَاعِلُ الْفِعْلِ الْمَحْذُوفُ، وَالْجَيِّدُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُكُمْ مُبْتَدَأً. وَ «مِنْ بَعْضِ» خَبَرُهُ؛ أَيْ: بَعْضُكُمْ مِنْ جِنْسِ بَعْضٍ فِي النَّسَبِ وَالدِّينِ، فَلَا يَتَرَفَّعُ الْحُرُّ عَنِ الْأَمَةِ عِنْدَ الْحَاجَةِ. وَقِيلَ (فَمِمَّا مَلَكَتْ) : خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ: فَالْمَنْكُوحَةُ مِمَّا مَلَكَتْ. (مُحْصَنَاتٍ) : حَالٌ مِنَ الْمَفْعُولِ فِي «وَآتُوهُنَّ» (وَلَا مُتَّخِذَاتِ) : مَعْطُوفٌ عَلَى مُحْصَنَاتٍ، وَالْإِضَافَةُ غَيْرُ مَحْضَةٍ، وَالْأَخْدَانُ جَمْعُ خِدْنٍ مِثْلُ عَدْلٍ وَأَعْدَالٍ. (فَإِذَا
أُحْصِنَّ) : يُقْرَأُ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ؛ أَيْ: بِالْأَزْوَاجِ، وَبِفَتْحِهَا؛ أَيْ: فُرُوجَهُنَّ. (فَإِنْ أَتَيْنَ) : الْفَاءُ جَوَابُ إِذَا. (فَعَلَيْهِنَّ) : جَوَابُ إِنْ. (مِنَ الْعَذَابِ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الضَّمِيرِ فِي الْجَارِ، وَالْعَامِلُ فِيهَا الْعَامِلُ فِي صَاحِبِهَا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ حَالًا مِنْ مَا؛ لِأَنَّهَا مَجْرُورَةٌ بِالْإِضَافَةِ، فَلَا يَكُونُ لَهَا عَامِلٌ. (
ذَلِكَ) : مُبْتَدَأٌ. (لِمَنْ خَشِيَ) : الْخَبَرُ؛ أَيْ: جَائِزٌ لِلْخَائِفِ مِنَ الزِّنَى. (وَأَنْ تَصْبِرُوا) : مُبْتَدَأٌ؛ وَ (خَيْرٌ لَكُمْ) : خَبَرُهُ.
قَالَ تَعَالَى: (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (٢٦).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ) : مَفْعُولُ يُرِيدُ مَحْذُوفٌ؛ تَقْدِيرُهُ: يُرِيدُ اللَّهُ ذَلِكَ؛ أَيْ: تَحْرِيمَ مَا حَرَّمَ وَتَحْلِيلَ مَا حَلَّلَ لِيُبَيِّنَ. وَاللَّامُ فِي لِيُبَيِّنَ مُتَعَلِّقَةٌ بِيُرِيدُ، وَقِيلَ: اللَّامُ زَائِدَةٌ، وَالتَّقْدِيرُ: يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُبَيِّنَ، فَالنَّصْبُ بِأَنْ.
قَالَ تَعَالَى: (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا) (٢٧).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ) : مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ إِلَّا أَنَّهُ صَدَّرَ الْجُمْلَةَ الْأُولَى بِالِاسْمِ، وَالثَّانِيَةَ بِالْفِعْلِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقْرَأَ بِالنَّصْبِ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى يَصِيرُ: وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ، وَيُرِيدُ أَنْ يُرِيدَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ، وَلَيْسَ الْمَعْنَى عَلَى ذَلِكَ.
قَالَ تَعَالَى: (يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا) (٢٨).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا) : ضَعِيفًا حَالٌ. وَقِيلَ: تَمْيِيزٌ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُقَدَّرَ بِمِنْ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ شَيْءٍ ضَعِيفٍ؛ أَيْ: مِنْ طِينٍ، أَوْ مِنْ نُطْفَةٍ وَعَلَقَةٍ وَمُضْغَةٍ، كَمَا قَالَ (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ) [الرُّومِ: ٥٤] فَلَمَّا حُذِفَ الْجَارُّ وَالْمَوْصُوفُ انْتَصَبَتِ الصِّفَةُ بِالْفِعْلِ نَفْسِهِ.
قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) (٢٩).
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء محبّ الدين عبد الله بن الحسين بن عبد الله العكبريّ البغدادي