ﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡ

بل متعتُ هؤلاء ، إضراب عن محذوف، ينساق إليه الكلام، كأنه قيل : جعلها كلمة باقية في عقبه رجاء أن يرجع إليها مَن أشرك منهم، فلم يحصل ما رجاه، بل متعتُ هؤلاء المعاصرين من أهل مكة. وآباءهم بالمد في العمر، والنعمة، والمهلة، فاغترُّوا بالمهلة، وانهمكوا في الشهوات، وشُغلوا بها عن كلمة التوحيد، حتى جاءَهم الحقُّ ؛ القرآن ورسولٌ مبينٌ ؛ ظاهر الرسالة، واضحها بالمعجزات الباهرة، أو : مبين التوحيد. بالآيات والحجج القاطعة.
وفي الآية توبيخ لهم، فإن التمتع بزيادة النعم يُوجب أن يجعلوه سبباً لزيادة الشكر، والثبات على التوحيد والإيمان، فجعلوه سبباً لزيادة أقصى مراتب الكفر والضلال.
وحاصل معنى الآية : أنه تعالى جعل كلمة التوحيد باقية في عقب إبراهيم عليه السلام ليدعو الموحّد المشرك، نسلاً بعد نسل، فيرجع المشرك عن شركه، فلم يرجعوا، بل اغترُّوا بما مُتّعوا به، فاستمرّوا على الشرك حتى جاءهم الحق، فكفروا وأصرُّوا.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : كان إبراهيم عليه السلام إمام أهل التوحيد، لقوله تعالى : إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً [ البقرة : ١٢٤ ]، وجعل الدعوة إليه في عقبه إلى يوم القيامة، وهو على قسمين : توحيد البرهان، وتوحيد العيان. وقد جاءت بعده الرسل بالأمرين معاً، وقام بها خلفاؤهم بعدهم، فقام بالأول العلماء، وقام بالثاني خواص الأولياء، أهل التربية الحقيقية، ولا ينال من توحيد العيان شيئاً مَن علق قلبه بالشهوات الجسمانية، والحظوظ الفانية، كما قال الششتري رضي الله عنه :

ترَكْنا حُظوظاً من حضيض لُحُوظنا مع المقصد الأقصى إلى المطلب الأسنى
وكل مَن تمتع بذلك، وانهمك فيه حُرِمَ بركة صحبة العارفين ؛ إذ يمنعه ذلك من حط رأسه، ودفع فلسه، فينخرط في سلك قوله تعالى : بل متعتُ هؤلاء وآباءهم... الآية. وكل زمان له رسول، خليفةً عن الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الحق ومعرفته. وبالله التوفيق.

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير