قوله ( تعالى )(١) : أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصم أَوْ تَهْدِي العمي. . . لما وصفهم في الآية المتقدمة بالعشي وصفهم في هذه الآية بالصمَمِ والعَمَى. وما أحسن هذا الترتيب، وذلك أن الإنسان في أول اشتغاله يطلب الدنيا يكون كمن حصل بعينه رَمدٌ ضعيف، ثم لما(٢) كان اشتغاله بتلك الأعمال أكثر كان مَيْلُهُ إلى الجُسمانيَّات أشد، وإعراضه عن الروحانيات أكمل ؛ لأن كثرة المواظبة على الشيء توجب حصول الملكة اللاَزمة لينتقل الإنسان من الرمد إلى أن يصير أعشى، فإذا واظب على تلك الحال انتقل من كونه أعشى إلى كونه أعمى.
روى أنه عليه الصلاة والسلام، كان يجتهد في دعاء قومه، وهم لا يزيدون إلا تصميماً على الكفر وعِناداً في الغي فقال الله تعالى : أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصم أَوْ تَهْدِي العمي بمعنى أنهم في النفرة عنك وعن دينك بحيث إذا أسمعتهم القرآن كانوا كالصُّمِّ، وإذا أريتهم المعجزات كانوا كالعمي(٣).
٢ في ب كلما بدل لما..
٣ انظر الرازي ٢٧/٢١٥..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود