المعنى الجملي : بعد أن ذكر فيما سلف الحجج الدالة على ربوبيته ووحدانيته – أردف ذلك ذكر آثارها، فمن ذلك تسخير السفن في البحار حاملة للأقوات والمتاجر رجاء أن تشكروا ما أنعم به عليكم، ومنها تسخيره ما في السماوات والأرض من شموس وأقمار وبحار وجبال، لتنتفعوا بها في مرافقكم وشؤونكم المعيشية.
ثم أمر المؤمنين بأحاسن الأخلاق، فطلب إليهم أن يصفحوا عن الكافرين ويحتملوا أذاهم، وعند الله جزاؤهم، فمن عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها، ويوم القيامة يعرضون على ربهم ويجازي كل نفس بما كسبت من خير أو شر.
الإيضاح : وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون أي وسخر لكم جميع ما خلقه في سماواته وأرضه مما تتعلق به مصالحكم، وتقوم به معايشكم، فمما سخر لكم من المخلوقات السماوية الشمس والقمر والنجوم النيرات والمطر والسحاب والرياح، ومن المخلوقات الأرضية الدواب والأشجار والجبال والسفن رحمة منه وفضلا، وكل هذه أدلة على أنه الله الذي لا إله غيره، لمن تأمل فيها واعتبر بها وتدبرها حق التدبر.
والخلاصة : إن العالم كله كأنه جسم واحد يحتاج كل جزء منه إلى الأجزاء الباقية، فلا يستقيم مطر بلا حرارة شمس، ولا تسير سفن إلا بهواء أو فحم أو كهرباء وما شاكل ذلك، فالعالم كله كساعة منتظمة لا يستقيم سيرها إلا إذا استكملت آلاتها وعددها.
وعن طاوس قال : جاء رجل إلى عبد الله بن عمرو بن العاص فسأله مم خلق الخلق ؟ فقال من الماء والنور والظلمة والهواء والتراب، قال فمم خلق هؤلاء ؟ قال : لا أدري، ثم أتى الرجل عبد الله بن الزبير فسأله، فقال مثل قول عبد الله بن عمرو، فأتى ابن عباس فسأله مم خلق الخلق ؟ فقال : من الماء والنور والظلمة والريح والتراب، قال : مم خلق هؤلاء ؟ فقرأ ابن عباس : وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه فقال الرجل ما كان ليأتي بهذا إلا رجل من أهل بيت النبوة.
تفسير المراغي
المراغي