وَيُقْرَأُ بِالْإِضَافَةِ وَالْإِضَافَةُ هُنَا لِتَبْيِينِ الْمُضَافِ. وَ (صِيَامًا) : تَمْيِيزٌ
(لِيَذُوقَ) : اللَّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالِاسْتِقْرَارِ؛ أَيْ: عَلَيْهِ الْجَزَاءُ لِيَذُوقَ، وَيَجُوزُ أَنْ تَتَعَلَّقَ بِصِيَامٍ، وَبِطَعَامٍ. (فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ) : جَوَابُ الشَّرْطِ، وَحَسُنَ ذَلِكَ لَمَّا كَانَ فِعْلُ الشَّرْطِ مَاضِيًا فِي اللَّفْظِ.
قَالَ تَعَالَى: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) (٩٦).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَطَعَامُهُ) : الْهَاءُ ضَمِيرُ الْبَحْرِ، وَقِيلَ: ضَمِيرُ الصَّيْدِ، وَالتَّقْدِيرُ: وَإِطْعَامُ الصَّيْدِ أَنْفُسَكُمْ. وَالْمَعْنَى أَنَّهُ أَبَاحَ لَهُمْ صَيْدَ الْبَحْرِ، وَأَكْلَ صَيْدِهِ، بِخِلَافِ صَيْدِ الْبَرِّ. (مَتَاعًا) : مَفْعُولٌ مِنْ أَجْلِهِ، وَقِيلَ: مَصْدَرٌ؛ أَيْ: مُتِّعْتُمْ بِذَلِكَ تَمْتِيعًا (مَا دُمْتُمْ) : يُقْرَأُ بِضَمِّ الدَّالِّ، وَهُوَ الْأَصْلُ، وَبِكَسْرِهَا وَهِيَ لُغَةٌ، يُقَالُ دُمْتُ تُدَامُ. (حُرُمًا) : جَمْعُ حَرَامٍ كَكِتَابٍ، وَكُتُبٍ. وَقُرِئَ فِي الشَّاذِّ حَرَمًا بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالرَّاءِ؛ أَيْ: ذَوِي حَرَمٍ؛ أَيْ: إِحْرَامٍ. وَقِيلَ: جَعَلَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْمَكَانِ الْمَمْنُوعِ مِنْهُ.
قَالَ تَعَالَى: (جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (٩٧).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (جَعَلَ اللَّهُ) : هِيَ بِمَعْنَى صَيَّرَ، فَيَكُونُ (قِيَامًا) : مَفْعُولًا ثَانِيًا، وَقِيلَ: هِيَ بِمَعْنَى خَلَقَ، فَيَكُونُ قِيَامًا حَالًا، وَ (الْبَيْتَ) : بَدَلٌ مِنَ الْكَعْبَةِ، وَيُقْرَأُ (قِيَامًا) بِالْأَلِفِ؛ أَيْ: سَبَبًا لِقِيَامِ دِينِهِمْ وَمَعَاشِهِمْ. وَيُقْرَأُ: (قِيَمًا) بِغَيْرِ أَلِفٍ وَهُوَ مَحْذُوفٌ مِنْ قِيَامٍ كَخِيَمٍ فِي خِيَامٍ. (ذَلِكَ) : فِي مَوْضِعِ رَفْعِ خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيِ: الْحُكْمُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ ذَلِكَ؛ أَيْ: لَا غَيْرُهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَحْذُوفُ هُوَ الْخَبَرُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ أَيْ: فَعَلْنَا ذَلِكَ أَوْ شَرَعْنَا، وَاللَّامُ فِي «لِتَعْلَمُوا» مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمَحْذُوفِ.
قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ) (١٠١).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (عَنْ أَشْيَاءَ) : الْأَصْلُ فِيهَا عِنْدَ الْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ «شَيْئَاءَ» بِهَمْزَتَيْنِ بَيْنَهُمَا أَلِفٌ، وَهِيَ فَعْلَاءُ مِنْ لَفْظِ شَيْءٍ، وَهَمْزَتُهَا الثَّانِيَةُ لِلتَّأْنِيثِ، وَهِيَ مُفْرَدَةٌ فِي اللَّفْظِ، وَمَعْنَاهَا الْجَمْعُ، مِثْلُ قَصْبَاءَ وَطَرْفَاءَ، وَلِأَجْلِ هَمْزَةِ التَّأْنِيثِ لَمْ تَنْصَرِفْ، ثُمَّ إِنَّ الْهَمْزَةَ الْأُولَى الَّتِي هِيَ لَامُ الْكَلِمَةِ قُدِّمَتْ فَجُعِلَتْ قَبْلَ الشِّينِ كَرَاهِيَةَ الْهَمْزَتَيْنِ بَيْنَهُمَا أَلِفٌ، خُصُوصًا بَعْدَ الْيَاءِ، فَصَارَ وَزْنُهَا لَفْعَاءَ، وَهَذَا قَوْلٌ صَحِيحٌ، لَا يَرِدُ عَلَيْهِ إِشْكَالٌ.
وَقَالَ الْأَخْفَشُ وَالْفَرَّاءُ: أَصْلُ الْكَلِمَةِ شَيْءٌ مِثْلُ هَيِّنٍ عَلَى فَيْعِلٍ، ثُمَّ خُفِّفَتْ يَاؤُهُ كَمَا خُفِّفَتْ يَاءُ هَيْنٍ، فَقِيلَ: شَيْءٌ كَمَا قِيلَ «هَيْنٌ» ثُمَّ جُمِعَ عَلَى أَفْعِلَاءَ؛ وَكَانَ الْأَصْلُ أَشْيَاءَ؛ كَمَا قَالُوا هَيْنٌ وَأَهْوِنَاءُ، ثُمَّ حُذِفَتِ الْهَمْزَةُ الْأُولَى، فَصَارَ وَزْنُهَا أَفْعَاءَ، فَلَامُهَا مَحْذُوفَةٌ.
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء محبّ الدين عبد الله بن الحسين بن عبد الله العكبريّ البغدادي