قوله : وَأَنَّهُ خَلَقَ الزوجين الذكر والأنثى أي من كل حيوان. ولم يرد آدمَ وحوّاء ؛ لأنهما ما خُلقا من نطفة. وهذا أيضاً من جملة المتضادات الواردة على النطفة، فبعضها يخلق ذكراً وبعضها يخلق أنثى، ولا يصل إليه فهم الطَّبِيعِيّ، والذي يقولونه من البرد والرطوبة في الأنثى فرُبَّ امرأةٍ أحر وأَيْبَسُ مزاجاً من الرّجُل.
فإن قيل : ما الحكمة في قوله تعالى : وَأَنَّهُ خَلَقَ ولم يقل :«وأَنَّهُ هُوَ خَلَقَ » كما قال : وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وأبكى ؟
فالجواب : أن الضحك والبكاء ربما يتوهم أنه بفعل الإنسان، والإماتة والإحياء وإن كان ذلك التوهم أبعد لكن ربما يقول به جَاهلٌ كما قال من حَاجَّ إبراهيم عليه الصلاة والسلام قَالَ أَنَاْ أُحْيِي وَأُمِيتُ [ البقرة : ٢٥٨ ] فأكد ذلك بالفصل. وأما خلق الذكر والأنثى من النطفة فلا يتوهم أحدٌ أنه بفعل واحدٍ من الناس، فلم يؤكد بالفصل، ألا ترى إلى قوله : وَأَنَّهُ هُوَ أغنى وأقنى حيث كان الإغناء عندهم غيرَ مسند إلى الله، وكان في معتقدهم أن ذلك بفعلهم كما قال قارون : إِنَّمَا أُوتِيتُهُ على عِلْمٍ عندي [ القصص : ٧٨ ] وكذلك قال : وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشّعرى فأكد في مواضع استبعادهم إلى الإسناد ولم يؤكد في غيره.
واختلفوا في الذكر والأنثى هل هما اسمان وهما صفةٌ ؟ أو اسمان ليسا بصفة ؟ فالمشهور عند أهل اللغة أنهما اسمان ليسا بصفةٍ.
قال ابن الخطيب : والظاهر أنهما من الأسماء التي هي صفات فالذكر كالحَسَنِ، والأنثى كالحُبْلَى والكُبْرَى(١).
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود