ذو مِرَّةٍ أي : ذو خصابة في عقله، ورزانة ومتانة في دينه. وأصل المِرة : الشدّة، من مراير الحبل، وهو فتله فتلاً شديداً، أو : ذو حُسن في منظره، فاستوى : عطفٌ على " علَّمه " بطريق التفسير، فإنه إلى قوله : ما أوحى بيان لكيفية التعليم، أو : فاستقام على صورته التي خلقه الله عليها، دون الصورة التي كان يتمثّل بها كلما هبط بالوحي، وذلك أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أحبّ أن يراه في الصورة التي خلقه اللّهُ عليها، وكان صلى الله عليه وسلم بحراء، فطلع له جبريلُ من المشرق، وسدّ الأرض من المغرب، وملأ الأفق، فخرَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فنزل في صورة الآدمي، فضمّه إلى نفسه، وجعل يمسح الغبار عن وجهه.
قيل : ما رآه أحد من الأنبياء في صورته الأصلية إلا النبي صلى الله عليه وسلم فإنه رآه فيها مرتين ؛ مرة في الأرض، ومرة في السماء، وقيل : استوى بقوته على ما جعل له من الأمر.
وقال الروتجبي بعد كلام : في هذه الآية بيان كمال شرف حبيبه، إذ رآه نزلةً أخرى، عند سدرة المنتهى، ظنَّ صلى الله عليه وسلم أنَّ ما رآه في الأول لا يكون في الكون - أي : في مظهر الكون - لكمال علمه بتنزيه الحق، فلما رآه ثانياً علم أنه لا يحجبه شيء من الحدثان، وعادة الكُبراء إذا زارهم أحد يأتون معه إلى باب الدار إذا كان عليهم كريمًا، فهذا منه سبحانه إظهار كمال حُبه لحبيبه. وحقيقة الإشارة : أنه سبحانه أراد أن يعرف حبيبه مقام الالتباس، فلبس الأمر، وظهرَ المكرُ، وبان الحقُّ من شجرة سدرة المنتهى، كما بان من شجرة العِناب لموسى، ليعرفَهُ حبيبُه بكمال المعرفة، إذ ليس بعارف مَن لم يعرف حبيبه في لباس مختلفة، وبيان ذلك في قوله : إذ يغشى السدرة ما يغشى وأبهم ما غشيه ؛ لأن العقول لا تُدرك حقائق ما يغشاها، وكيف يغشاها، والقِدم منزّه عن الحلول في الأماكن ؟ ! كان ولا شجرة، وكانت الشجرة مرآة لظهوره سبحانه، ما ألطف ظهوره، لا يعلم تأويله إلا الله، والراسخون في العلم يؤمنون به بعد عرفانهم به. هـ.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي