وجائز أن يكون معناه: ولقد أهلكنا جنسكم، والحكيم لا يخلق الخلق للفناء والهلاك، فاعلموا أنه أنشأكم للعاقبة.
وفيه إثبات البعث، لكنه لا تدركه أفهام الكفرة وعقولهم، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) يخرج هذا - أيضًا - على وجهين:
أحدهما: كل شيء فعلوه من التكذيب والعناد، كان في الكتب المتقدمة، أي: عن علم بصنيعهم وفعلهم أنشأهم، وبعث إليهم الرسل؛ وهو رد على من يقول: إنه لا يعلم ما يكون منهم حتى يكون منهم ذلك؛ لأنه لو كان يعلم ذلك لا يحتمل أن يبعث الرسل - عليهم الصلاة والسلام - إليهم ويأمرهم، وينهاهم، وهو يعلم أنهم يكذبون رسله، ويخالفون أمره، فرد عليهم وبين أنه لم يزل عالما بما كان ويكون، وقد بينا قبل هذا أنه تعالى بعث الرسل - عليهم السلام - وإن علم منهم التكذيب والخلاف؛ وذلك لأن المنافع والمضار راجعة إليهم دونه، واللَّه أعلم.
وجائز أن يكون معناه: (وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ) أي: في الكتب التي تكتب عليهم الملائكة ويؤمرون بالقراءة في القيامة؛ كقوله تعالى: (اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣) هذا أيضا يخرج على هذين الوجهين:
أحدهما: مستطر في الكتب التي قبلهم.
أو في الذين يملون على الحفظة؛ كقوله تعالى: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ)، وقال في موضع آخر: (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ).
ثم اختلف في تأويل قوله: (وَنَهَرٍ (٥٤).
قيل: نهر من النور، أي: هم في ضياء ونور وسرور، وهو قول الأصم.
وقال الفراء: النهر: السعة؛ يقال: أنهرت الطعنة، أي: وسعتها.
وقال أهل التأويل: أي: الأنهار.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ... (٥٥) أي: موعود صدق؛ كأنه كناية عن راحة
وسرور لهم؛ كقوله: (كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا)، أخبر أنهم يستريحون فيها، أو يسكنون ويقرون، لا يريدون التحول منها، وهو مقابل ما ذكر للكفار: (يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ) أي: يجرون، وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا)، وقوله تعالى: (رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا)، يطلبون الخروج منها، وأخبر أنهم يكونون أبدا في عناء وشدة وبلاء حتى لا يقرون في مكان، وعلى هذا يخرج قوله: (أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ)، أي: لهم موعود صدق عند ربهم، أي: تقر أقدامهم في ذلك؛ فيكون هو كناية عن الثبات.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ).
إن الرجل إذا كان في فضل وخير يضاف بكونه فيه إلى اللَّه تعالى، نحو ما يقال: في سبيل اللَّه، ووفود اللَّه، وغير ذلك من الأمكنة التي هي أمكنة الفضل والخير تضاف إلى اللَّه، نحو: بيت اللَّه، ومساجد اللَّه؛ لأنها أمكنة القرب والفضل، فعلى ذلك قوله: (فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ) أضاف بكونهم في أمكنة الفضل والخير والمنزلة عند الله تعالى، لا أنه يوصف بمكان أو مقام؛ بل هو ممسك الأمكنة كلها ومنشئ الأزمنة بأسرها، واللَّه الموفق، وصلى اللَّه على سيدنا مُحَمَّد وآله أجمعين.
* * *
تأويلات أهل السنة
محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي
مجدي محمد باسلوم