ثم سرد قصص الأنبياء، تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم وتفسيرا لقوله : ولقد جاءهم من الأنباء فقال :
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا وَقَالُواْ مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ * فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ * فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى المَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ * وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ * وَلَقَدْ تَّرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ * فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ * وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ .
يقول الحق جلّ جلاله : كذبت قبلهم أي : قبل أهل مكة قومُ نوح فكذَّبوا عبدنا نوحاً عليه السلام. ومعنى تكرار التكذيب : أنهم كذَّبوا تكذيباً عقب تكذيب، كلما خلا منهم قرن مكذِّب، جاء عقبه قرن آخر مكذِّب مثله، وقيل : كذبت قوم نوح الرسل، فكذَّبوا عبدنا ؛ لأنه من جملتهم. وفي ذكره عليه السلام بعنوان العبودية مع إضافته لنون العظمة ؛ تفخيم له عليه السلام ورفع لمحله، وزيادة تشنيع لمكذِّبيه، وقالوا مجنون أي : لم يقتصروا على مجرد التكذيب، بل نسبوه للجنون، وازْدُجِرْ أي : زجر عن أداء الرسالة ؛ بالشتم، وهدّد بالقتل، أو : هو من جملة قولهم، أي : قالوا : هو مجنون وقد ازدجرته الجن، أي : تخبّطته وذهبت بلُبه.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي