أأنتم تزرعونه ، أي تجعلونه زرعاً، ثم تنمونه إلى أن يصير مدركاً صالحاً للأكل أم نحن الزارعون له، ولا شك أن الجواب الذي لا جواب غيره هو أن يقال : أنت يا ربنا هو الزارع المنبت، ونحن لا قدرة لنا على ذلك، فيقال لهم : كل عاقل يعلم أن من أنبت هذا السنبل من هذا البذر الذي تعفن في باطن الأرض قادر على أن يبعثكم بعد موتكم، وكون إنبات النبات بعد عدمه من براهين البعث، جاء موضحاً في آيات كقوله : وَمِنْ ءَايَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأرض خَاشِعَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَآءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الذي أَحْيَاهَا لَمُحْي الْمَوْتَى [ فصلت : ٣٩ ] وقوله تعالى : فَانظُرْ إِلَى ءَاثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْي الأرض بَعْدَ مَوْتِهَآ إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شيء قَدِيرٌ [ الروم : ٥٠ ]، وقوله تعالى : حَتَّى إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذالِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [ الأعراف : ٥٧ ].
والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة، وقد قدمناها مستوفاة مع سائر آيات براهين البعث في مواضع كثيرة في سورة البقرة والنحل والجاثية، وغير ذلك من المواضع، وأحلنا عليها مراراً.
اعلم أنه يجب على كل إنسان أن ينظر في هذا البرهان الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة، لأن الله جل وعلا وجه في كتابه صيغة أمر صريحة عامة في كل ما يصدق عليه مسمى الإنسان بالنظر في هذا البرهان العظيم المتضمن للامتنان، لأعظم النعم على الخلق، وللدلالة على عظم الله وقدرته على البعث وغيره، وشدة حاجة خلقه إليه مع غناه عنهم، وذلك قوله تعالى : فَلْيَنظُرِ الإِنسَـانُ إِلَى طَعَامِهِ أنا صببنا الماء صبا ثُمَّ شَقَقْنَا الأرض شَقّا ًفَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّا ًوَعِنَباً وَقَضْبا ًوَزَيْتُوناً وَنَخْلاً وَحَدَآئِقَ غُلْبا ًوَفَـاكِهَةً وَأَبّا ًمَّتَـاعاً لَّكُمْ ولأنعامكم [ عبس : ٢٤ -٣٢ ].
والمعنى : انظر أيها الإنسان الضعيف إلى طعامك كالخبز الذي تأكله ولا غنى لك عنه، من هو الذي خلق الماء الذي صار سبباً لإنباته هل يقدر أحد غير الله على خلق الماء ؟ أي إبرازه من أصل العدم إلى الوجود. ثم هب أن الماء خلق، هل يقدر أحد غير الله أن ينزله على هذا الأسلوب الهائل العظيم الذي يسقى به الأرض من غير هدم ولا غرق ؟ ثم هب أن الماء نزل في الأرض من هو الذي يقدر على شق الأرض عن مسار الزرع ؟ ثم هب أن الزرع طلع، فمن هو الذي يقدر على إخراج السنبل منه ؟ ثم هب أن السنبل خرج منه، فمن هو الذي يقدر على إنبات الحب فيه وتنميته حتى يدرك صالحاً للأكل ؟ انْظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ في ذلِكُمْ لآيات لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [ الأنعام : ٩٩ ]، والمعنى : انظروا إلى الثمر وقت طلوعه ضعيفاً لا يصلح للأكل، وانظروا إلى ينعه، أي انظروا إليه بعد أن صار يانعاً مدركاً صالحاً للأكل، تعلموا أن الذي رباه ونماه حتى صار كما ترونه وقت ينعه قادر على كل شيء منعم عليكم عظيم الأنعام، ولذا قال : إِنَّ في ذلِكُمْ لآيات لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ، فاللازم أن يتأمل الإنسان وينظر في طعامه ويتدبر قوله تعالى : ثُمَّ شَقَقْنَا الأرض أي عن النبات شقاً إلى آخر ما بينا.
تنبيه
اعلم أنه يجب على كل إنسان أن ينظر في هذا البرهان الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة، لأن الله جل وعلا وجه في كتابه صيغة أمر صريحة عامة في كل ما يصدق عليه مسمى الإنسان بالنظر في هذا البرهان العظيم المتضمن للامتنان، لأعظم النعم على الخلق، وللدلالة على عظم الله وقدرته على البعث وغيره، وشدة حاجة خلقه إليه مع غناه عنهم، وذلك قوله تعالى : فَلْيَنظُرِ الإِنسَـانُ إِلَى طَعَامِهِ أنا صببنا الماء صبا ثُمَّ شَقَقْنَا الأرض شَقّا ًفَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّا ًوَعِنَباً وَقَضْبا ًوَزَيْتُوناً وَنَخْلاً وَحَدَآئِقَ غُلْبا ًوَفَـاكِهَةً وَأَبّا ًمَّتَـاعاً لَّكُمْ ولأنعامكم [ عبس : ٢٤ -٣٢ ].
والمعنى : انظر أيها الإنسان الضعيف إلى طعامك كالخبز الذي تأكله ولا غنى لك عنه، من هو الذي خلق الماء الذي صار سبباً لإنباته هل يقدر أحد غير الله على خلق الماء ؟ أي إبرازه من أصل العدم إلى الوجود. ثم هب أن الماء خلق، هل يقدر أحد غير الله أن ينزله على هذا الأسلوب الهائل العظيم الذي يسقى به الأرض من غير هدم ولا غرق ؟ ثم هب أن الماء نزل في الأرض من هو الذي يقدر على شق الأرض عن مسار الزرع ؟ ثم هب أن الزرع طلع، فمن هو الذي يقدر على إخراج السنبل منه ؟ ثم هب أن السنبل خرج منه، فمن هو الذي يقدر على إنبات الحب فيه وتنميته حتى يدرك صالحاً للأكل ؟ انْظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ في ذلِكُمْ لآيات لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [ الأنعام : ٩٩ ]، والمعنى : انظروا إلى الثمر وقت طلوعه ضعيفاً لا يصلح للأكل، وانظروا إلى ينعه، أي انظروا إليه بعد أن صار يانعاً مدركاً صالحاً للأكل، تعلموا أن الذي رباه ونماه حتى صار كما ترونه وقت ينعه قادر على كل شيء منعم عليكم عظيم الأنعام، ولذا قال : إِنَّ في ذلِكُمْ لآيات لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ، فاللازم أن يتأمل الإنسان وينظر في طعامه ويتدبر قوله تعالى : ثُمَّ شَقَقْنَا الأرض أي عن النبات شقاً إلى آخر ما بينا.
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان