هو الذّي يُنزِّلُ على عبْدِهِ ءايت بيّنَتٍ ليُخْرِجَكُم منَ الظُّلُمات إلى النّورِ وإنّ الله بِكُم لَرَءُوف رَّحِيمٌ
أي على نبيه صلى الله عليه وسلم آيات بيّناتٍ.. [الحديد] واضحات الدلالة على الخالق سبحانه، والآيات إما كونية كالشمس والقمر والليل والنهار.. أو معجزات وعجائب تصاحب بعثة الرسل لتثبت للناس صدق الرسول في البلاغ عن الله، ثم آيات الذكر الحكيم، آيات القرآن حاملة المنهج والأحكام التي تنظم حركة الحياة بما يُوصّل الناس إلى الغاية السعيدة.
إذن: هذه أشكال ثلاثة للآيات، ولكل منها هدف وغاية، وقد أجملها الحق سبحانه في قوله: ليُخْرِجَكُم من الظُّلُمات إلى النُّور.. [الحديد] النور والظلمة ضدّان. نعرف النور بأنه هذا الأثر الذي نرى به الأشياء فله كيان معروف، أما الظلمة فليس لها كيان بذاتها، بل هي سلبية في عدم وجود النور.
وقلنا: إن النور هو الذي يجعلنا نرى الأشياء، فنسير على هدى لا نصطدم بشيء، أما في الظلمة فتتخبط نحطم الأضعف ويحطمنا الأقوى. هذا عن النور الحسي، مثله النور المعنوي، وهو نور المنهج والقيم التي نهتدي بها في دروب الحياة:
قَدْ جَاءكُم من الله نُورٌ وكتابٌ مبينٌ ١٠ يَهْدي به الله من اتّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُل السّلام ويُخْرِجهُم من الظّلماتِ إلى النّورِ بِإذنِه وَيَهْديهم إلى صِرَاط مّستَقِيمٍ ١٦ [المائدة] فهو نور على نور.
وقال عن الكافرين الذين استدبروا منهج الله وصادموه: مَثَلُهُمْ كمثَلِ الذي استَوْقَدَ ناراً فلمّا أضاءتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ الله بنُورِهم وَتَركهُمْ في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُون ١٧
فالمراد إذن المعنويات: ليخرجكم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان وإنّ الله بِكُمْ لَرَءوف رّحيمٌ الرأفة أنْ تزيل الألم والشقاء عن الشخص وتنزع عنه الداء، والرحمة أن تصونه بعد ذلك من أن يصيبه ألم أو داء.
ومثله قوله تعالى: ونُنَزّلُ مِنَ القُرْآن ما هُوَ شِفَاءٌ ورحمةٌ للمؤمنِينَ.. ٨٢ [الإسراء] فالقرآن منهج الله فيه شفاء لداءات المجتمع، يوقظهم من الغفلة وينأى به عن سبل الفساد ويصلح ما به من عطب أو عوار، ثم تأتي الرحمة تحصيناً لهم من الزلل وتحميهم، فلا تصيبهم هذه الداءات مرة أخرى.
وقد مثّلنا منهج الحق [بدليل الاستعمال] فلو سِرْنا عليه ما أصابنا عطب أبداً، فصانع الشيء أدرى بما يصلحه، وأحرص عليه وعلى سلامته.
تفسير الشعراوي
الشعراوي