ﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅ

١٧٧ - قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)
* سَبَبُ النُّزُولِ:
أخرج البخاري ومسلم والترمذي والنَّسَائِي عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن رجلاً أتى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فبعث إلى نسائه فقلن: ما معنا إلا الماءُ، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (من يَضُم أو يضيف هذا) فقال رجل من الأنصار: أنا، فانطلق به إلى امرأته، فقال: أكرمي ضيف رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقالت: ما عندنا إلا قوتُ صبياني، فقال: هَيِّئِي طعامك، وأصبحي سراجك، ونَوِّمي صبيانك إذا أرادوا عَشاءً. فهيأت طعامها، وأصبحت سراجها، ونومت صبيانها، ثم قامت كأنها تصلح سراجها فأطفأته، فجعلا يريانه أنهما يأكلان، فباتا طاويين، فلما أصبح غدا إلى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: (ضحك اللَّه الليلة؟ أو عجب من فعالكما) فأنزل الله: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).
* دِرَاسَةُ السَّبَبِ:
هكذا جاء في سبب هذه الآية الكريمة. وقد أورد جمهور المفسرين هذا الحديث عند تفسيرها كالطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير والسعدي وابن عاشور.

صفحة رقم 982

قال السعدي: (أي: ومن أوصاف الأنصار التي فاقوا بها غيرهم، وتميزوا بها عمن سواهم الإيثار، وهو أكمل أنواع الجود، وهو الإيثار بمحاب النفس من الأموال وغيرها وبذلها للغير مع الحاجة إليها، بل مع الضرورة والخصاصة.
وهذا لا يكون إلا من خلق زكي، ومحبة للَّه تعالى، مقدمة على شهوات النفس ولذاتها ومن ذلك قصة الأنصاري، الذي نزلت الآية بسببه، حين آثر ضيفه بطعامه وطعام أهله وأولاده وباتوا جياعًا) اهـ.
وقال ابن حجر لما ذكر الحديث: (هذا هو الأصح في سبب نزول هذه الآية) اهـ.
فإن قال قائل: ما جوابك عن هذا الإشكال وهو أن هذه الآية وردت في ثنايا آيات ثلاث، الأولى تتحدث عن المهاجرين، والثانية عن الأنصار، والثالثة عن سائر المؤمنين بعدهم، فكيف يكون لهذه الجملة من الآية سبب مع أنها جاءت في ثنايا هذه الآيات؟
فالجواب: يمكن القول إن الآيات الثلاث نزلت قبل ذلك، ثم وقعت قصة الأنصاري فأنزل اللَّه فيها هذه الجملة من الآية: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) ونظير هذا نزول قوله تعالى في سورة النساء: (غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ) بعد نزول الآية.
فإن قال قائل: إيثار الأنصار على أنفسهم متعدد وله أكثر من صورة من ذلك موقف سعد بن الربيع - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حيث أراد إيثار عبد الرحمن بن عوف بنصف ماله، وإحدى زوجتيه.
وكذلك إيثار الأنصار المهاجرين نصيبهم من أموال بني النضير. وغير ذلك ولهذا أفلا يقال إن الآية نزلت في الأنصار جميعاً؟

صفحة رقم 983

فالجواب: أن الصورة المنصوصة في الآية صادقة على هذا الأنصاري دون غيره لأنه وزوجه وبنيه كانوا بحاجة إلى الطعام وليس لديهم سواه فكان بهم خصاصة. أما الأنصار الذين آثروا فكان لديهم ما يكفيهم فالخصاصة غير متحققة فيهم.
ومع هذا يقال: إن قصة الأنصاري وإن كانت سبب النزول، إلا أن الآية بعمومها تتناول الأنصار كيف لا والآية تتحدث عنهم - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -.
* النتيجة:
أن الحديث المذكور سبب نزول الآية الكريمة لصحة سنده، وصراحة لفظه، ورواية المفسرين له، وموافقته لسياق القرآن والله أعلم.
* * * * *

صفحة رقم 984

سورة الممتحنة

صفحة رقم 985

المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة

عرض الكتاب
المؤلف

خالد بن سليمان المزيني

عدد الأجزاء 1