الْخِطَابِ، وَهُوَ مُنَاسِبٌ لِقَوْلِهِ: «وَعُلِّمْتُمْ» ؛ أَيْ: وَقَدْ عُلِّمْتُمْ. وَالْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ فِي تَجْعَلُونَهُ عَلَى قِرَاءَةِ التَّاءِ.
وَعَلَى قِرَاءَةِ الْيَاءِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَعُلِّمْتُمْ مُسْتَأْنَفًا، وَأَنْ يَكُونَ رَجَعَ مَعَ الْغَيْبَةِ إِلَى الْخِطَابِ. وَ (قُلِ اللَّهُ) : جَوَابُ «قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ» وَارْتِفَاعُهُ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ: أَنْزَلَهُ اللَّهُ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: هُوَ اللَّهُ، أَوِ الْمُنْزِلُ اللَّهُ، أَوِ اللَّهُ أَنْزَلَهُ.
(فِي خَوْضِهِمْ) : يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِذَرْهُمْ عَلَى أَنَّهُ ظَرْفٌ لَهُ، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ ضَمِيرِ الْمَفْعُولِ؛ أَيْ: ذَرْهُمْ خَائِضِينَ، وَأَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِـ «يَلْعَبُونَ».
(وَيَلْعَبُونَ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَصَاحِبُ الْحَالِ ضَمِيرُ الْمَفْعُولِ فِي ذَرْهُمْ، إِذَا لَمْ يُجْعَلْ فِي خَوْضِهِمْ حَالًا مِنْهُ، وَإِنْ جَعَلْتَهُ حَالًا مِنْهُ كَانَ الْحَالُ الثَّانِيَةُ مِنْ ضَمِيرِ الِاسْتِقْرَارِ فِي الْحَالِ الْأُولَى.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ فِي خَوْضِهِمْ، وَيَكُونُ الْعَامِلُ الْمَصْدَرَ، وَالْمَجْرُورُ فَاعِلٌ فِي الْمَعْنَى.
قَالَ تَعَالَى: (وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ) (٩٢).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنْزَلْنَاهُ) : فِي مَوْضِعِ رَفْعِ صِفَةٍ لِكِتَابٍ. وَ (مُبَارَكٌ) : صِفَةٌ أُخْرَى، وَقَدْ قُدِّمَ الْوَصْفُ بِالْجُمْلَةِ عَلَى الْوَصْفِ بِالْمُفْرَدِ، وَيَجُوزُ النَّصْبُ فِي غَيْرِ الْقُرْآنِ عَلَى الْحَالِ مِنْ ضَمِيرِ الْمَفْعُولِ، أَوْ عَلَى الْحَالِ مِنَ النَّكِرَةِ الْمَوْصُوفَةِ. وَ (مُصَدِّقُ الَّذِي) : التَّنْوِينُ فِي تَقْدِيرِ الثُّبُوتِ؛ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ غَيْرُ مَحْضَةٍ.
(وَلِتُنْذِرَ) : بِالتَّاءِ عَلَى خِطَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبِالْيَاءِ عَلَى أَنَّ الْفَاعِلَ
الْكِتَابُ، وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: لِيُؤْمِنُوا وَلِتُنْذِرَ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، أَوْ لِتُنْذِرَ «أُمَّ الْقُرَى» أَنْزَلْنَاهُ.
(وَمَنْ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَطْفًا عَلَى «أُمَّ» وَالتَّقْدِيرُ: وَلِتُنْذِرَ أَهْلَ أَمِّ.
(وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ) : مُبْتَدَأٌ، وَ: «يُؤْمِنُونَ بِهِ» الْخَبَرُ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الَّذِينَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَطْفًا عَلَى أُمِّ الْقُرَى، فَيَكُونُ يُؤْمِنُونَ بِهِ حَالًا. وَ (عَلَى) : مُتَعَلِّقَةٌ بِـ «يُحَافِظُونَ».
قَالَ تَعَالَى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ) (٩٣).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا) : وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «كَذِبًا» مَفْعُولَ افْتَرَى، وَأَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا عَلَى الْمَعْنَى؛ أَيِ: افْتِرَاءً، وَأَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مِنْ أَجْلِهِ، وَأَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا فِي مَوْضِعِ الْحَالِ.
(أَوْ قَالَ) : عَطْفٌ عَلَى افْتَرَى، وَ (إِلَيَّ) : فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلَى أَنَّهُ قَامَ مَقَامَ الْفَاعِلِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبِ، وَالتَّقْدِيرُ: أَوْحَى الْوَحْيَ أَوِ الْإِيحَاءَ.
(وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ فِي قَالَ، أَوِ الْيَاءِ فِي إِلَيَّ. (وَمَنْ قَالَ) : فِي مَوْضِعِ جَرٍّ عَطْفًا عَلَى مَنِ افْتَرَى؛ أَيْ: وَمِمَّنْ قَالَ.
وَ (مِثْلَ مَا) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولَ سَأُنْزِلُ، وَمَا بِمَعْنَى الَّذِي، أَوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وَتَكُونُ مَا مَصْدَرِيَّةً.
وَ (إِذْ) : ظَرْفٌ لِتَرَى، وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ: وَلَوْ تَرَى الْكُفَّارَ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ.
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء محبّ الدين عبد الله بن الحسين بن عبد الله العكبريّ البغدادي