ﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢ

ولما خص الله العرب بهذه المزية العظمى، قالت اليهود : نحن أهل الكتاب، وفينا العلم قبلكم، فأنزل الله تعالى :
مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُواْ التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُواْ إِن زَعمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * وَلاَ يَتَمَنَّونَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْديهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاَقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ .
يقول الحقّ جلّ جلاله : مَثَلُ اليهود الذين حُمِّلُوا التوراةَ أي : كُلِّفوا علمها، والعمل بما فيها، ثم لم يحملوها ؛ لم يعملوا بما فيها، فكأنهم لم يحملوها، كَمَثَلِ الحمارِ يحمل أسفاراً جمع سفر، وهو الكتاب الكبير، شَبّه اليهودَ بالحمار، فإنهم حملة التوراة وقُرّاؤها وحُفّاظ ما فيها، ثمّ لم يعملوا بها، ولم ينتفعوا بآياتها، وذلك : أنَّ فيها بعث رسولِ الله صلى الله عليه وسلم والبشارة به، فلم يؤمنوا، فهم أشبه شيء بحمار حمل كُتباً كباراً من كتب العلم، فهو يمشي بها، ولا يدري منها إلاَّ ما يلحقه من الكدّ والتعب. وفي التلخيص : وَجْهُ الشَبَه : حرمان الانتفاع بأبلغ نافع، مع تحمُّل التعب في استصحابه، وكل مَن عَلِمَ ولم يعمل بعلمه فهذا مثلُه. قال الطيبي : لمّا تمسكت اليهود بقوله :" في الأميين " ؛ لأنه خاص بالعرب، أتبعه بضرب المثل لمَن تمسّك بهذه الشبهة، وترك الدلائل الواضحة المسطورة بعموم البعثة، وأنه كالحمار يحمل أسفاراً، ولا يدري ما حمل، ولا ما فيه. ه. وجملة " يحمل " حال، والعامل فيها، معنى المثل، أو : صفة للحمار ؛ إذ ليس المراد به معيناً، فهو كقوله(١) :
ولقد أَمُرُّ على اللئيم يَسُبُّني. . . ***
بئس مثلُ القومِ الذين كذّبوا بآيات الله أي : بئس مثلاً مثل القوم الذين كذّبوا، أو بئس مثل القوم المكذِّبين مثلهم، وهم اليهود الذين كذّبوا بآيات الله الدالة على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، واللهُ لا يهدي القوم الظالمين وقت اختيارهم الظلمَ، أو : لا يهدي مَن سبق في علمه أنه يكون ظالماً، أو الظالمين لأنفسهم بتعريضها للعذاب الخالد.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : مَثَلُ الذي يقرأ القرآن ويتلوه ولا يتدبّر معانيه، أو يقرأ العلم ولا يعمل به، كمثل الحمار.. الخ. وعُروض الموت على النفس، أو العمل أو الحال، ميزان صحيح، فكل حال وعمل، أو شخص هزمه الموت فهو معلول، وحب البقاء للترقِّي والتوسعة في المعرفة محمود، وغيره مذموم، وقد تقدّم في البقرة(٢) تفصيل ذلك، فراجعه إن شئت.
وأمّا تمني الموت فقد نُهي عنه، إلاّ لخوف الفتنة، فقد قال ابن عباس لعمر رضي الله عنهما : ما لك تُكثر الدعاء بالموت ؟ وما الذي مَلِلت من العيش ؟ أما تُقوّم فاسداً وتعين صالحاً ؟ فقال عمر : يا بن عباس ! كيف لا أتمنى الموت، وأطلب القدوم على الله، ولست أرى في الناس إلاّ فاتحاً فاه لِلعدة من الدنيا، إمّا بحق لا يثق به، أو بباطل لا يناله، ولولا أن يسألني ربي عن الناس لفررت منهم، وتصبح الأرض مني بلاقع. هـ.
وقيل لسفيان الثوري : لِمَ تتمنَّ الموت، وقد نهى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عنه ؟ فقال : إن سألني ربي عن ذلك أقول : لثقتي بك يا رب، وخوفي من الناس، ثم أنشد :

قد قلتُ لمّا مَدَحوا الحياة وأسرفوا في الموت ألف فضيلة لا تُعرف
فيها أمان لقـائه بلقـائـه وفـراق كل معاشـرِ لا يُنصِـف
وقال طاوس : لا يحرز المرء إلاَّ حفرته، وأنشدوا :
يبكي الرجالُ على الحياة وقد أفنى دموعي شوقـي إلى الأجـل
أموت من قبل أن يفـر مني دَهْـري فإني منه على وجل


١ عجز البيت:
... *** فمضيت ثمت قلت لا يعنيني
والبيت لرجل من سلول في الدرر ١/٧٨، وشرح التصريح ٢/١١، وشرح شواهد المغني ١/٣١٠، والكتاب ٣/٢٤، والمقاصد النحوية ٤/٥٨، ولشمر بن عمرو الحنفي في الأصمعيات ص ١٢٦، ولعميرة بن جابر الحنفي في حماسة البحتري ص ١٧١، وبلا نسبة في الأزهية ص ٢٦٣، والأشباه والنظائر ٣/٩٠، والأضداد ص ١٣٢، وأمالي ابن الحاجب ص ٦٣١، وأوضح المسالك ٣/٢٠٦، وخزانة الأدب ١/٣٥٧، والخصائص ٢/٣٣٨..

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير