قال الربيع بن خيثم: إن الله تعالى قضى على نفسه أن من توكل عليه كفاه، ومن آمن به هداه، ومن أقرضه جازاه، ومن وثق به نجّاه، ومن دعاه أجاب له. وتصديق ذلك في كتاب الله: وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ [التغابن ٦٤/ ١١]. وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق ٦٥/ ٣]. إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ [التغابن ٦٤/ ١٧]. وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [آل عمران ٣/ ١٠١]. وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي، فَإِنِّي قَرِيبٌ، أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ [البقرة ٢/ ١٨٦].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أحب أن يكون أقوى الناس، فليتوكل على الله» «١».
عدة اليائسة والصغيرة
[سورة الطلاق (٦٥) : الآيات ٤ الى ٥]
وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً (٤) ذلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً (٥)
الإعراب:
وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ، فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ، وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ فيه محذوف تقديره: واللائي يئسن من المحيض فعدتهن فعدتهن ثلاثة أشهر، واللائي لم يحضن فعدتهن ثلاثة أشهر. حذف خبر الثاني لدلالة خبر الأول عليه، مثل: زيد أبوه منطلق وعمرو، أي وعمرو وأبوه منطلق. وأُولاتُ الْأَحْمالِ مبتدأ، وواحد أُولاتُ: ذات، وأَجَلُهُنَّ مبتدأ ثان، وأَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ خبر المبتدأ الثاني، والجملة منهما خبر المبتدأ الأول. ويجوز أن يكون أَجَلُهُنَّ بدلا من أُولاتُ بدل الاشتمال، وأَنْ يَضَعْنَ الخبر.
البلاغة:
وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ إيجاز الحذف، حذف منه الخبر، أي فعدتهن ثلاثة أشهر أيضا.
المفردات اللغوية:
وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ أصابهن اليأس من الحيض لكبرهن. إِنِ ارْتَبْتُمْ شككتم في عدتهن أي جهلتم. وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ أي الصغيرات، فعدتهن ثلاثة أشهر أيضا. وكلاهما في غير المتوفى عنهن أزواجهن، أما هن فعدتهن كما في آية أخرى [البقرة ٢/ ٢٣٤] أربعة أشهر وعشر.
وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أي أجل انقضاء عدتهن، مطلقات أو متوفى عنهن أزواجهن.
أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وضع الحمل، وهو حكم يعم المطلقات والمتوفى عنهن أزواجهن. يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً يسهل عليه أمره ويوفقه للخير، وييسر أموره في الدنيا والآخرة. ذلِكَ المذكور من الأحكام، ومنها حكم العدة. أَمْرُ اللَّهِ حكمه. يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ فإن الحسنات يذهبن السيئات. وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً بمضاعفة الثواب.
سبب النزول:
أخرج ابن جرير وإسحاق بن راهويه والحاكم والبيهقي عن أبي بن كعب قال: لما نزلت الآية التي في سورة البقرة في عدد من عدد النساء، قالوا: قد بقي عدد من النساء لم يذكرن: الصغار والكبار اللاتي قد انقطع عنهن الحيض، وأولات الأحمال، فأنزلت: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ الآية.
وأخرج مقاتل في تفسيره: أنه لما ذكر قوله تعالى: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ قال خلّاد بن النعمان: يا رسول الله، فما عدّة التي لم تحض، وعدة التي انقطع حيضها، وعدة الحبلى؟ فنزلت: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ يعني قعدن عن المحيض. وقيل: إن معاذ بن جبل سأل عن عدّة الكبيرة التي يئست، فنزلت الآية.
المناسبة:
بعد أن أمر الله تعالى بتطليق النساء لعدتهن وبيّن أمر الطلاق والرجعة في
التي تحيض، بيّن هنا مقدار العدة للآيسة والصغيرة اللتين لا تريان الدم، وأنها ثلاثة أشهر، وعدة الحامل وكونها بوضع الحمل، تتميما لما ذكر الله تعالى في سورة البقرة من عدة ذوات الأقراء، والمتوفى عنها زوجها.
التفسير والبيان:
وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ، فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ، وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ أي إن عدة النساء الآيسات وهن اللاتي قد انقطع حيضهن لكبرهن ببلوغهن سن الخامسة والخمسين أو الستين هي ثلاثة أشهر، عوضا عن الثلاثة قروء في حق من تحيض كما دلت على ذلك آية البقرة [٢٢٨] إن شككتم وجهلتم كيف عدتهن، وكذا الصغار اللائي لم يبلغن سن الحيض عدتهن ثلاثة أشهر كعدة الآيسة.
وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ أي وعدة النساء الحوامل أي انتهاء عدتهن يتم بوضع الحمل، ولو كان بعد الطلاق أو الموت بساعة في قول جمهور العلماء، بدليل ما
روى أحمد وأصحاب الكتب الستة عن المسور بن مخرمة أن سبيعة بنت الحارث الأسلمية توفي عنها زوجها: سعد بن خولة، وهي حامل، فلم تمكث إلا ليالي «١»، حتى وضعت، فلما تعلّت- شفيت- من نفاسها خطبت، فاستأذنت رسول الله ﷺ في النكاح، فأذن لها أن تنكح، فنكحت.
وفي لفظ: أنه دخل عليها أبو السنابل، فقال: ما لي أراك متجملة؟ لعلك ترجين النكاح، إنك والله ما أنت بناكح، حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشر.
قالت سبيعة: فلما قال لي ذلك، جمعت علي ثيابي، حين أمسيت، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألته عن ذلك، فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي، وأمرني بالتزوج إن بدا لي.
وأخرج أبو داود والنسائي وابن ماجه عن ابن مسعود أنه قال: من شاء لاعنته أن الآية التي في النساء القصرى: وَأُولاتُ الْأَحْمالِ الآية، نزلت بعد الآية التي في سورة البقرة [٢٣٤] بكذا وكذا شهرا.
وقال علي وابن عباس رضي الله عنهما: تعتد الحامل المتوفى عنها زوجها بأبعد الأجلين من وضع الحمل، والأشهر أي أربعة أشهر وعشر، عملا بهذه الآية والتي في سورة البقرة.
وهذا في الواقع جمع بين المدتين، وليس جمعا بين النصين ولا إعمالا لعموم كل منهما في مقتضاه، فإننا إذا حكمنا بعدم انتهاء العدة على من وضعت حملها قبل أربعة أشهر وعشر، كان ذلك إهدارا لمقتضى الحصر والتوقيت في قوله تعالى:
وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ. وكذلك إذا حكمنا بعدم انتهاء العدة على من مضى عليها أربعة أشهر وعشر، ولم تضع حملها، كان ذلك إهدارا لمقتضى الحصر والتوقيت في قوله تعالى: يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً.
وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً أي ومن يخف الله ويرهب عقابه، فيأتمر بما أمر الله به، وينته عما نهى عنه، يسهّل عليه أمره كله في الدنيا والآخرة. وهذا تنويه بفضيلة التقوى في الدنيا والآخرة.
ذلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ، وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً أي جميع الأحكام المتقدمة في الطلاق والعدة والسكنى هو أمر الله الذي أمر به عباده، وأنزله إليهم في قرآنه، ومن يخف الله، بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه، يمح عنه ذنوبه من صحائف أعماله، ولا يؤاخذه بها، كما وعد بذلك في قوله: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ [هود ١١/ ١١٤] ويضاعف له جزاء
حسناته، ويجزل له المثوبة على عمله. وقد كرر الأمر بالتقوى للتأكيد عليها، وكونها عماد النجاة والسعادة الدنيوية والأخروية.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١- عدة المرأة اليائس التي انقطع دمها بسبب الكبر وتقدم السن، وعدة الفتاة الصغيرة التي لم تر الدم هي ثلاثة أشهر، تقابل القروء الثلاثة عند من ترى الدم. وسن اليأس في تقدير الحنابلة: خمسون سنة، وفي تقدير الحنفية: خمس وخمسون، وعند الشافعية: اثنان وستون سنة، وعند المالكية: سبعون سنة.
ولو تأخر الحيض لغير مرض ولا رضاع، فإنها تنتظر سنة لا حيض فيها، تسعة أشهر ثم ثلاثة. وكذلك المرتابة في عدتها لا تنكح حتى تستبرئ نفسها من ريبتها، ولا تخرج من العدة إلا بارتفاع الريبة، وتكون عدتها عند المالكية والحنابلة سنة بعد انقطاع الحيض، بأن تمكث تسعة أشهر، وهي مدة الحمل غالبا، ثم تعتد بثلاثة أشهر، فيكمل لها سنة، ثم تحل. وحكمها عند الحنفية والشافعية أنها تبقى أبدا حتى تحيض أو تبلغ سن من لا تحيض، ثم تعتد بثلاثة أشهر.
ومن تأخر حيضها لمرض، فكذلك تعتد عند مالك تسعة أشهر ثم ثلاثة.
وأما من انقطع حيضها بسبب الرضاع فإن عدتها عند المالكية تنقضي بمضي سنة بعد انتهاء زمن الرضاع وهو سنتان، فإن رأت الحيض ولو في آخر يوم من السنة، انتظرت الحيضة الثالثة.
وأما التي جهل حيضها بالاستحاضة أو ممتدة الدم فعدتها عند المالكية سنة كاملة، تمكث تسعة أشهر استبراء لزوال الريبة، لأنها مدة الحمل غالبا، وثلاثة أشهر عدة، وتحل للأزواج.
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي