ﰉﰊﰋﰌﰍﰎﰏﰐ

تمهيد :
تستعرض الآيات أعمال الكافرين، واستماعهم للرسول صلى الله عليه وسلم ثم نفارهم من دعوته، وادعاءهم أنهم أولى بالجنة ونعيمها من الفقراء البسطاء أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ثم ردّ عليهم القرآن بأن الله خلق الناس جميعا من نطفة مزرة، ثم سوّى الله الإنسان بشرا سويّا، وكرّمه بالعقل والإرادة والاختيار، وحكم بأن من سما بنفسه وزكّاها بالطاعة والامتثال لأمر الله فله الجنة، وبأنّ من دسّى نفسه وآثر الكفر والمعصية فله العذاب يوم القيامة، ثم أقسم الحق سبحانه بنفسه أنه قادر على أن يهلكهم، وينشئ خلقا أطوع لله منهم، ثم أمر نبيّه صلى الله عليه وسلم أن يتركهم وشأنهم ولا يبالي بهم، فسيلقون الجزاء يوم القيامة، حين يخرجون من قبورهم مسرعين، كأنهم ذاهبون إلى أصنام منصوبة لعبادتها، فهم يسرعون أيّهم يستلم الصّنم أوّلا، وسيحشرون أذلاء، ناكسة رؤوسهم، ذليلة عيونهم، حيث يقال لهم : هذا هو اليوم الذي وعدتم به في الدنيا فأنكرتم واستكبرتم.
سبب النزول :
ذكر الواحدي في سبب نزول قوله تعالى : أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم.
قال : كان المشركون يجتمعون حول النبي صلى الله عليه وسلم، يستمعون كلامه، ولا ينتفعون به، بل يكذّبون به ويستهزئون، ويقولون : لئن دخل هؤلاء الجنة، لندخلنّها قبلهم، وليكونن لنا فيها أكثر مما لهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
التفسير :
٣٨، ٣٩- أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم* كلاّ إنّا خلقناهم مما يعلمون.
تجاوز الكفار حدودهم حين قالوا : لئن دخل أتباع محمد الجنة، وهم فقراء بسطاء، لندخلنّها قبلهم، فنحن أفضل منهم في الدنيا، وسنكون أفضل منهم في الآخرة.
وكان جواب القرآن لهم :
كلا. حرف ردع وزجر.
لقد خلقنا الناس جميعا من منيّ يمنى، أي أن الله سوّى بين الناس جميعا في الخلق، وترك لكل إنسان العقل والإرادة ليسك طريقة في الدنيا عن قصد وإرادة واختيار : فأما من طغى* وآثر الحياة الدنيا* فإن الجحيم هي المأوى* وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى* فإن الجنة هي المأوى. ( النازعات : ٣٧- ٤١ ).
وفي الحديث الشريف :( الخلق كلهم عيال الله، الله ربّهم وهم عباده، يتفاضلون عنده بالتقوى، ويدركون ثوابه بالعمل الصالح ).
وقال تعالى : يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير ( الحجرات : ١٣ ).
وخلاصة المعنى :
أيطمع هؤلاء الكفار –وحالتهم واضحة من الكفر والتكذيب لرسولي- أن يدخلوا الجنة ؟ كلا، إن أعمالهم تقودهم إلى جهنم، لقد خلقناهم مما يعلمون، من نطفة مزرة، ليعملوا ويطيعوا، فتكبّروا وأعرضوا، فصاروا أهلا للنار لا للجنة.
أخرج أحمد، وابن ماجة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( يقول الله تعالى : ابن آدم، أنّى تعجزني وقد خلقتك من نطفة مزرة، حتى إذا سوّيتك وعدّلتك مشيت بين بردين، وللأرض منك وئيد، فجمعت ومنعت، حتى إذا بلغت التراقي أتى أوان الصدقة )xii.

تفسير القرآن الكريم

عرض الكتاب
المؤلف

عبد الله محمود شحاتة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير