١٠ - قوله تعالى: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ قال مقاتل: إن قوم نوح لما كذبوه زماناً طويلاً، جس الله عنهم المطر، وأعقم أرحامَهم أربعين سنة، فهلكت جناتهم، ومواشيهم، فصاحوا إلى نوح، فقال لهم نوح: استغفروا ربكم من الشرك (١).
والمعنى: استدعوا مغفرة ربكم بالتوحيد، وترك الشرك.
يُرْسِلِ السَّمَاءَ، أي: ماء السماء، ويجوز أن يكون المراد بالسماء المطر لقوله: مِدْرَارًا، وهو الكثير الدرّ، والدر تخلّب (٢) الشيء حالاً بعد حال، يقال: درت الناقة، ودر اللبن، يدرّ ويدُرّ دَرّاً ودُرُوراً، ودَرت السحاب، ودرّ المطر (٣).
قال مقاتل: (مدراراً (٤)): متتابعاً (٥).
وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ قال عطاء: يكثر أموالكم، وأولادكم (٦).
وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ يعني البساتين (٧).
(٢) الخُلَّب: السحاب يُومِضُ بَرْقُه حتى يُرْجَى مطرُه، ثم يُخْلِف، ويقلع، وينقشع، وكأنه من الخِلابة، وهي الخداع بالقول اللطيف. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير: ٢/ ٥٨.
(٣) انظر مادة: (درّ) في "تهذيب اللغة" ١٤/ ٦٠، و"الصحاح" ٢/ ٦٥٦، و"لسان العرب" ٤/ ٢٨٠. وانظر أيضًا: المفردات: للراغب الأصفهاني: ١٦٦ - ١٦٧.
(٤) بياض في: (ع).
(٥) لم أعثر على مصدر لقوله.
(٦) "فتح القدير" ٥/ ٢٩٨.
(٧) قال بذلك الطبري في: "جامع البيان" ٢٩/ ٩٤، والزجاج في: "معاني القرآن وإعرابه" ٥/ ٢٢٩، والسمرقندي في: "بحر العلوم" ٣/ ٤٠٧، والثعلبي في: "الكشف والبيان" ١٢: ١٨٨/ أ.
وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا قال مقاتل: كانوا [يسخطون] (١) الله فأهلك كل شيء لهم، ودفنت أنهارهم، فدعاهم نوح إلى توحيد الله، وقال: إنكم إذا وحدتم تصيبوا الدنيا والآخرة (٢).
وقال أبو إسحاق (٣): أعلمهم أن إيمانهم بالله يجمع لهم من الحظ الوافر في الآخرة، والخِصْب والغنى في الدنيا (٤).
قوله تعالى: مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣) الرجاء هاهنا بمعنى الخوف -ذكرنا ذلك فيما تقدم (٥) -
ومنه قول الهذلي (٦):
إذا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لمْ يَرْجُ لسْعَها (٧)
(٢) "تفسير مقاتل" ٢١٠/ أ.
(٣) بياض في: (ع).
(٤) "معاني القرآن وإعرابه" ٥/ ٢٢٩ بنصه.
(٥) منها في سورة يونس: ١٥: إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧) فجاء أيضًا أن الرجاء: الخوف. والآية: ١٥ من السورة نفسها: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥). جاءت في تفسير الرجاء أنه الخوف. انظر: تفسير البسيط: ٣: ٥/ أ. وكذا سورة الفرقان: ٢١: وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (٢١) وأيضًا جاء تفسير الرجاء: الخوف. المرجع السابق: ٤/ ٦٣/ ب.
(٦) الهذلي: هو أبو ذؤيب؛ خويلد بن خالد بن محرث بن زبيد بن مخزوم بن هزيل، تقدم.
(٧) هذا صدر بيت، وعجزه: =
و (الوقار): العظمة، والتوقير: التعظيم، ومنه قوله تعالى: وَتُوَقِّرُوهُ [الفتح: ٩] (١)
يعني مالكم لا تخافون لله عظمة، وهو قول أبي عبيدة (٢)، والفراء (٣)، والزجاج (٤)، (وابن قتيبة (٥)، والكلبي (٦)) (٧).
وعند الفراء برواية: "الدبر" بدلًا من "النحل"، و"حالفها" بدلًا من "خالفها"، و"عوامل" بدلًا من "عواسل". وموضع الشاهد: "لم يرْجُ"، ومعناه: لم يخف، ولا يكون هذا إلا مع النفي. ومعنى "النوب": ذكر النحل. انظر: شرح أبيات "معاني القرآن" ٢٩٦: ش: ٦٦٣. وقد ورد البيت منسوبًا في كتب اللغة، مادة: (رجا). انظر: "تهذيب اللغة" ١١/ ١٨٢، برواية: "لسعتها"، و"معجم مقاييس اللغة": ٢/ ٤٩٥، و"الصحاح" ٦/ ٢٣٥٢، و"لسان العرب" ١٤/ ٣١٠، و"تاج العروس" ١٠/ ١٤٥، ديوان الهذليين: ١/ ١٤٣. وأيضًا: أبو ذؤيب الهذلي: حياته وشعره: ٩٩، كتاب "الأضداد" لابن الأنباري: ١٠، و"معاني القرآن" للفراء: ١/ ٢٨٦، و٢/ ٢٦٥، وفي: ج ٢ غير منسوب، كتاب "الأضداد" للسجستاني: ٨١، كتاب "الأضداد" لابن السكيت: ١٧٩. وأيضًا في: "جامع البيان" ٢٩/ ٩٥، و"المحرر الوجيز" ٥/ ٣٧٤، و"التفسير الكبير" ٣٠/ ١٣٨، و"الدر المنثور" ٨/ ٢٩١، و"فتح القدير" ٥/ ٢٩٨، و"روح المعاني" ٢٩/ ٧٣. وورد غير منسوب في: "معاني القرآن" للأخفش: ٢/ ٧١٥.
(١) انظر: مادة: (وقر) في "تهذيب اللغة" ٩/ ٢٨٠، و"الصحاح" ٢/ ٩٤٩.
(٢) "مجاز القرآن" ٢/ ٢٧١.
(٣) "معاني القرآن" ٣/ ١٨٨.
(٤) "معاني القرآن وإعرابه" ٥/ ٢٢٩.
(٥) تفسير غريب القرآن: ٤٨٧.
(٦) "الكشف والبيان" ١٢: ١٨٨ /ب.
(٧) ساقطة من: (أ).
وجميع ما قال المفسرون يعود إلى هذا المعنى، روى سعيد بن جبير عن ابن عباس: ما لكم لا تعلمون حق عظمة الله (١) (٢).
وقال الحسن: ما لكم لا تعرفون لله حقاً، ولا تشكرونه (٣).
وقال مجاهد: لا تُبالون عظمة ربكم (٤).
وقال قتادة: لا ترجون لله عاقبة (٥).
وقال ابن زيد (٦): لا ترون لله طاعة (٧).
ومعنى هذه الأقوال واحد (٨)، وهو أنهم لو عظموا الله، وعرفوا حق
(٢) قوله: حق عظمة الله غير واضح في: (ع).
(٣) "الكشف والبيان" ١٢: ١٨٨/ أ، و"النكت والعيون" ٦/ ١٠١، و"معالم التنزيل" ٤/ ٣٨٩، و"الجامع لأحكام القرآن" ١٨/ ٣٠٣، و"الدر المنثور" ٨/ ٢٩١، و"فتح القدير" ٥/ ٢٩٨، شعب الإيمان: ١/ ٤٦٥: ح: ٧٣٢.
(٤) المراجع السابقة عدا: معالم التنزيل، والقرطبي، وقد عزاه صاحب الدر إلى سعيد ابن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وانظر: "فتح الباري" ٨/ ٦٦٧، و"شعب الإيمان" ١/ ٤٦٥: ح: ٧٣٠.
(٥) "جامع البيان" ٢٩/ ٩٥، و"الكشف والبيان" مرجع سابق، و"الجامع لأحكام القرآن" ١٨/ ٣٠٣، و"فتح القدير" ٥/ ٢٩٨.
(٦) في (أ): ابن دريد، وهو تصحيف، فابن دريد عالم في اللغة.
(٧) ورد قول ابن زيد في: "جامع البيان" ٢٩/ ٩٥، و"الكشف والبيان" ١٢: ١٨٨/ أ، و"النكت والعيون" ٦/ ١٠١، و"زاد المسير" ٨/ ٩٨، و"الجامع لأحكام القرآن" ١٨/ ٣٠٣، و"فتح القدير" ٥/ ٢٩٨.
(٨) بياض في: (ع).
عظمته، وحدوه، وأطاعوه، وشكروه (١).
وهذا معنى قول مقاتل: فمن (٢) لم يوحده لم يعظمه (٣).
(والمعنى: لمَ لا تعظمونه فتوحدونه، وقد جعل في أنفسكم (٤) آية تدل على توحيده: من خلقه إياكم، ومن خلق السموات والأرضين) (٥)، فقال عز وجل: وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤)
قال المفسرون: يعني نطفة، ثم علقة، ثم شيئاً بعد شيء (٦)، إلى آخر الخلق، وطوراً (٧) بعد طور ينقلكم من حال إلى حال (٨) (٩).
قال الليث: الطور: التارة، تقول: طَوْرًا بعد طَوْرٍ: أي تارة بعد تارة، والناس أطوار، أي: أخياف (١٠) على حالات شتى (١١).
(٢) غير واضحة لبياض في: (ع).
(٣) "تفسير مقاتل" ٢١٠/ أ.
(٤) بياض في: (ع).
(٥) ما بين القوسين نقله الإمام الواحدي عن الزجاج بشيء من التصرف: ٥/ ٢٢٩.
(٦) غير واضحة لبياض في: (ع).
(٧) غير واضحة لبياض في: (ع).
(٨) بياض في: (ع).
(٩) وممن قال بذلك من المفسرين: ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، وابن زيد. انظر: "جامع البيان" ٢٩/ ٩٥ - ٩٦، وعن يحيى بن رافع، وعكرمة، والسدي. انظر: "تفسير القرآن العظيم" ٤/ ٤٥٣، وتفسير السدي الكبير: ٤٦٢، وعن مطر؛ انظر: الدر: ٨/ ٢٩١. وذهب إلى هذا القول: الفراء ٣/ ١٨٨، والزجاج ٥/ ٢٢٩، والثعلبي ١٢/ ١٨٨ ب، والبغوي ٤/ ٣٩٨، وابن الجوزي ٨/ ٩٨، والقرطبي، وعزاه إلى ابن عباس.
(١٠) أخياف: أي يسْتوون. "تهذيب اللغة" ٧/ ٥٩١ (خيف).
(١١) ورد قول الليث في تهذيب اللغة، نقله بنصه: ١٤/ ١١٠ (وطر). وانظر: "الصحاح" ٢/ ٧٢٧: (طور).
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي