تمهيد :
يعرض نوح شكواه على ربه القدير، فقد قدّم نوح النصح والإرشاد، سرا وجهرا، ليلا ونهارا، ومع كل ما فعل هرب القوم منه، وخالفوا أمره، وتركوا دعوته، وساروا وراء دعاة آثمين، غرّهم المال والجاه، والأولاد والسلطان، فازدادوا خسرانا وكفرانا، وبيتوا الاحتيال على البسطاء والعامة، وألحّوا عليهم بالكفار والبعد عن نوح، والالتزام بعبادة الأصنام، خصوصا أكبر الأصنام وهي خمسة : ودّ، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر، ولقد ضل هؤلاء الكفار وأضلوا كثيرا من العامة، وهنا نوح ربه بأن يزيد هؤلاء الظالمين الطغاة، دعاة السوء والكفر، ضلالا وبعدا عن الهداية، عقوبة عاجلة في الدنيا، وسبيلا إلى النار في الآخرة.
المفردات :
لا تذرن آلهتكم : التزموا عبادتها ولا تتركوها على الإطلاق.
ودّ وسواع : أسماء أصنام كانوا يعبدونها.
التفسير :
٢٣- وقالوا لا تذرنّ آلهتكم ولا تذرنّ ودّا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا.
قال هؤلاء القادة المضلّلون لأتباعهم : لا تتبعوا نوحا ولا تعبدوا رب نوح، ولا تتركوا عبادة آلهتكم، أي التي عبدتموها سابقا فصارت آلهتكم، لإثارة النخوة فيهم حتى يتعصبوا لها، ولا تتركوا عبادة الأصنام والأوثان كلها، وخصوصا عبادة الخمسة الكبار.
ولا تذرنّ ودّا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا.
وهي أصنام انتقلت إلى العرب فيما بعد، وهي أسماء لأشخاص صالحين، زيّن الشيطان لبعض أتباعهم أن يتخذوا لهم صورا ورموزا، ليكون هذا أنشط لهم في العبادة والاقتداء، فصوّروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دبّ إليهم إبليس، فقال : إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يسقون المطر، فعبدوهم. ii.
وقد أخرج البخاري، وابن المنذر، وابن مردويه، عن ابن عباس قال : صارت هذه الأوثان في العرب بعد، فكان :
ودّ : لكلب.
سواع : لهذيل.
يغوث : لغطيف بالجرف عند سبأ.
يعوق : لهمدان.
نسر : لحمير آل ذي الكلاع. اه.
وهناك أصنام أخرى لأقوام آخرين، مثل :
اللات : لثقيف بالطائف.
العزّى : لسليم وغطفان وجشم.
مناة : لخزاعة بقديد.
أساف : لأهل مكة.
نائلة : لأهل مكة.
هبل : لأهل مكة، وهو أكبر الأصنام وأعظمها عندهم، ومن ثمّ كان يوضع فوق الكعبةiii.
وليس المراد أن أعيان هذه الأصنام صارت إليهم، بل المراد أنهم أخذوا هذه الأسماء، وسمّوا بها أصنامهم.
تفسير القرآن الكريم
شحاته