ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝ

بسم الله الرحمان الرحيم
قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن النفر من الثلاثة إلى العشرة فقيل : كانوا تسعة من جن نصيبين وقيل : كانوا سبعة، والجن أجسام ذات أرواح كالحيوان عاقلة كالإنسان خفية عن أعين الناس ولذا سميت جنا خلقت من النار كما خلق آدم من طين، قال الله تعالى : والجان خلقناه من قبل من نار السموم ٢٧ ١ تتصف بالذكورة والأنوثة، ووجود الجن والشياطين والملائكة ثابت بالشرع وأنكره الفلاسفة وليست العقول العشرة التي اخترعها الفلاسفة من الملائكة من شيء حيث يزعمونها مجردات بخلاف الملائكة فإنها أجسام ذات أرواح والله تعالى أعلم. وسوق هذا الكلام يقتضي أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ير الجن وإنما اتفق حضورهم في بعض أوقات قراءته فاستمعوها فقص الله ذلك على رسوله فيما أوحي إليه. أخرج الشيخان والترمذي وغيرهم عن ابن عباس قال : ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجن ولا رآهم ولكنه انطلق مع طائفة من أصحابه عائدين إلى سوق عكاظ وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسلت عليهم الشهب فقالوا ما هذا إلا بشيء قد حدث فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فانظروا هذا الذي حدث فانطلقوا فانصرف النفر الذين توجهوا نحو تهامة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنخلة يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له فقالوا : هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك رجعوا إلى قومهم فقالوا : يا قومنا إنا سمعنا قرآنا عجبا الخ فأنزل الله تعالى على نبيه قل أوحي٢ إلى قول الجن. وقال أكثر المفسرين لما مات أبو طالب خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده إلى الطائف يلتمس من ثقيف النصر والمنعة له من قومه فروى محمد بن إسحاق عن يزيد بن زياد عن محمد القرظي أنه قال : لما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف عمد إلى نفر من ثقيف وهم يومئذ سادات ثقيف وأشرافهم وهم أخوة ثلاثة عبد يا ليل ومسعود وحبيب بنو عمير وعند أحدهم امرأة من قريش من بني جمح فجلس إليهم فدعاهم إلى الله وكلمهم بما جاءهم له من نصرته على الإسلام والقيام معه على من خالفه من قومه، فقال له أحدهم هو يمرط ثياب الكعبة إن كان أرسلك الله وقال الآخر أما وجد الله أحدا يرسله غيرك وقال الثالث والله ما أكلمك أبدا لئن كنت رسولا من الله كما تقول لأنت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام ولئن كنت تكذب على الله فلا ينبغي لي أن أكلمك، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد يئس من خير ثقيف وقال لهم إذ فعلتم ما فعلتم فاكتموا عني وكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبلغ قومه فيزيد ذلك في تجرئهم عليه فلم يفعلوا وأغروا به سفهائهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به حتى اجتمع عليه الناس وألجؤوه إلى حائط لعتبة وشيبة ابني ربيعة وهما فيه فرجع عند سفهاء ثقيف ومن كان تبعه فعمدا إلى ظل جنة من عنب فجلس فيه وابنا ربيعة ينظران إليه ويريان ما لقي من سفهاء ثقيف وقد لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك المرأة من بني جمح فقال لها ماذا لقينا من أحمائك فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس وأنت أرحم الراحمين وأنت رب المستضعفين فأنت ربي إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري ؟ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي ولكن عافيتك هي أوسع لي أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك أو يحل علي سخطك لك العتبى حتى ترضى لا حول ولا قوة إلا بك ) فلما رآه ابنا ربيعة تحركت له رحمهما فدعوا غلاما لهما نصرانيا يقال له عداس فقالا له خذ قطفا من هذا العنب وضعه في ذلك الطبق ثم اذهب به إلى ذلك الرجل فقل له يأكل منه ففعل عداس، ثم أقبل به حتى وضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما وضع ومد رسول الله صلى الله عليه وسلم يده قال : باسم الله ثم أكل فنظر عداس إلى وجهه فقال : والله إن هذا الكلام ما يقول أهل هذه البلدة قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم من أي البلاد أنت يا عداس وما دينك ؟ قال أنا نصراني وأنا رجل من أهل نينوى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمن قرية الرجل الصالح يونس بن متى ؟ قال : وما يدريك يونس بن متى ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك أخي كان نبيا وأنا نبي، فأكب عداس على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبل رأسه ويديه وقدميه قال : فيقول ابنا ربيعة أحدهما لصاحبه أما غلامك فقد أفسده عليك فلما جاءهما عداس قالا له : ويلك يا عداس ما لك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه ؟ قال : يا سيدي ما على الأرض خير من هذا الرجل فقد أخبرني بأمر ما يعلمه إلا نبي، فقال : ويحك يا عداس لا يصرفنك عن دينك فإن دينك خير من دينه ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف من الطائف راجعا إلى مكة حين يئس من خبر ثقيف حتى إذا قام بنخلة قام من جوف الليل يصلي فمر به نفر من جن نصيبين اليمن فاستمعوا له فلما فرغ من صلاته ولوا إلى قومهم منذرين قد آمنوا وأجابوا لما سمعوا فقص الله سبحانه وتعالى خبرهم عليه. وأخرج ابن الجوزي في كتاب الصفوة بسنده عن سهل بن عبد الله قال : كنت في ناحية وزاعا وإذا رأيت مدينة من حجر منقور في وسطها قصر من حجارة تأويه الجن فدخلت فإذا شيخ عظيم الخلق يصلي إلى الكعبة وعليه جبة صوف فيها طراوة فلم أتعجب من عظم خلقته كتعجبي من طراوة جبته فسلمت عليه فرد علي السلام وقال : يا سهل إن الأبدان لا يخلق الثياب وإنما يخلقها روائح الذنوب ومطاعم السحت وإن هذه الجبة علي منذ سبع مائة سنة لقيت بها عيسى ومحمدا عليه السلام فآمنت بهما فقلت له ومن أنت ؟ قال : من الذين نزلت فيهم : قل أوحي إلي نفر من الجن وقال جماعة بل أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينذر الجن ويدعوهم إلى الله يقرأ عليهم القرآن فصرفوا إليه نفر من الجن من نينون وجمعهم له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إني أمرت أن أقرأ على الجن الليلة فأيكم يتبعني ) فأطرقوا ثم استتبعهم فاتبعه عبد الله بن مسعود قال عبد الله ولم يحضر معنا غيري فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة دخل نبي الله صلى الله عليه وسلم شعبا يقال له شعب الحجون وخط لي خطا ثم أمرني أن أجلس فيه قال :( لا تخرج منه حتى أعود إليك ثم انطلق حتى قام فافتتح القرآن فجعلت أرى مثل النسور تهوي وسمعت لفظا شديدا حتى خفت على نبي الله صلى الله عليه وسلم وغشيته أسودة كثيرة حالت بيني وبينه حتى ما أسمع صوته ثم طفقوا ينقطعون مثل قطع السحاب الذاهبين ففرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الفجر فانطلق إلي فقال : أنمت ؟ قلت : لا والله يا رسول الله ولقد هممت مرارا أن أستغيث بالناس حتى سمعتك تقرع بعصاك تقول اجلسوا، قال : لو خرجت لم آمن عليك أن يتخطفك بعضهم، ثم قال : رأيت شيئا ؟ قلت : نعم رأيت رجلا أسود مشتفري ثياب بيض قال : أولئك جن نصيبين سألوني المتاع –والمتاع الزاد- فمنعهم لكل عظم عابل وروث وبعرة، فقال : يا رسول الله يقذرها الناس فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستنجي بالعظم والروث قال : فقلت : يا رسول الله وما يغني ذلك عنهم ؟ قال : إنهم لا يجدون عظما إلا وجدوا عليه لحمه يوم يؤكل ولا روثة إلا وجدوا فيها حبها يوم أكلت، فقلت : يا رسول الله سمعت لغطا شديدا، فقال : إن الجن تدارت في قتيل قتل منهم فتحاكموا إلي فقضيت بينهم بالحق قال : ثم تبرز رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أتاني فقال : هل معك ماء ؟ قلت : يا رسول الله معي إداوة فيها شيء من نبيذ التمر فاستدعاه فصببت على يديه فتوضأ فقال : تمرة طيبة وماء طهور ) وروى مسلم عن علي بن محمد حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن داود عن عامر قال : سألت علقمة هل كان ابن مسعود شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن ؟ قال : فقال علقمة : أنا سألت ابن مسعود عنه فقلت هل شهد أحد منكم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن ؟ قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة تفقدناه فالتمسناه في الأودية والشعاب فقلنا استطير أو اغتيل، قال بشر ليلة بات بها قوم فقال : أتاني داعي الجن فذهبت معه فقرأت عليه القرآن، قال : فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم قال الشعبي وسألوه الزاد وكانوا من جن جزيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أو ما يكون فيه لحم وذلك بعرة علف دوابكم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم من الجن )٣ وروى عن ابن مسعود أنه رأى قوما من الزط فقال : هؤلاء أشبه ما رأيت من الجن ليلة الجن، قلت : والظاهر عندي أن استماع الجن القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم عامدا إلى سوق عكاظ وقافلا من الطائف كان أولا وهو المحكي عنه بقوله تعالى : قل أوحي إلي وأما ليلة الجن التي رواها ابن مسعود فكانت بعد ذلك، قال البغوي في تفسير سورة الأحقاف أنه قال ابن عباس فاستجاب لهم أي نفر من الجن بعد ما استمعوا القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم بنخلة ورجعوا إلى قومهم منذرين من قومهم سبعين رجلا من الجن فرجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوافقوه في البطحاء فقرأ عليهم القرآن وأمرهم ونهاهم، وذكر الخفاجي أنه قد دلت الأحاديث على أن وفادة الجن كانت ستة مرات وهذا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان مبعوثا إلى الجن والإنس جميعا، وقال مقاتل لم يبعث قبله نبي إلى الإنس والجن والله تعالى أعلم. فقالوا هؤلاء النفر من الجن حين رجعوا إلى قومهم إنا سمعنا قرآنا عجبا بديعا مباينا لكلام المخلوق مصدر وصف به للمبالغة.

١ سورة الحجر، الآية: ٢٧..
٢ أخرجه البخاري في كتاب: الأذان، باب: الجهر بالقراءة صلاة الفجر (٧٧٣)، وأخرجه مسلم في كتاب: الصلاة، باب: الجهر بالقراءة في الصبح والقراءة على الجن (٤٤٩)، وأخرجه الترمذي في كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة الجن (٣٣٢٣)..
٣ أخرجه مسلم في كتاب: الصلاة، باب: الجهر بالقراءة في الصبح والقراءة على الجن (٤٥٠)..

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير