وجملة إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ تعليل لما تقدّم من الوعيد : أي إنه فكر في شأن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وما أنزل عليه من القرآن وقدّر في نفسه : أي هيأ الكلام في نفسه، والعرب تقول : هيأت الشيء إذا قدّرته، وقدرت الشيء إذا هيأته، وذلك أنه لما سمع القرآن لم يزل يفكر ماذا يقول فيه وقدّر في نفسه ما يقول، فذمه الله، وقال : فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ .
وأخرج الطبراني والبيهقي في سننه عنه أيضاً وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ قال : لا تعط الرجل عطاء رجاء أن يعطيك أكثر منه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عنه أيضاً : فَإِذَا نُقِرَ فِي الناقور قال : الصور يَوْمٌ عَسِيرٌ قال : شديد. وأخرج ابن مردويه عنه أيضاً : ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً قال : الوليد بن المغيرة. وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل عنه أيضاً : أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه القرآن، فكأنه رقّ له، فبلغ ذلك أبا جهل، فأتاه فقال : يا عمّ إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالاً ليعطوكه، فإنك أتيت محمداً لتعرض لما قبله، قال : قد علمت قريش أني من أكثرها مالاً، قال : فقل فيه قولاً يبلغ قومك أنك منكر له، وأنك كاره له، قال : وماذا أقول ؟ فوالله ما فيكم رجل أعلم بالشعر مني لا برجزه ولا بقصيده ولا بأشعار الجنّ، والله ما يشبه هذا الذي يقول شيئًا من هذا، ووالله إن لقوله الذي يقول لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلي، وإنه ليحطم ما تحته ؛ قال : والله لا يرضى قومك حتى تقول فيه، قال : فدعني حتى أفكر، فلما فكر قال : هذا سحر يؤثر، يأثره عن غيره، فنزلت : ذَرْنِى وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً . وقد أخرج هذا عبد الرزاق عن عكرمة مرسلاً، وكذا أخرجه ابن جرير وابن إسحاق وابن المنذر وغير واحد. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن عمر بن الخطاب أنه سئل عن قوله : وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً قال : غلة شهر بشهر. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس : وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً قال : ألف دينار. وأخرج هناد عن أبي سعيد الخدري في قوله : سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً قال : هو جبل في النار يكلفون أن يصعدوا فيه، فكلما وضعوا أيديهم عليه ذابت، فإذا رفعوها عادت كما كانت. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس : عَنِيداً قال : جحوداً. وأخرج أحمد والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي عن أبي سعيد عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال :«الصعود جبل في النار يصعد فيه الكافر سبعين خريفاً، ثم يهوي وهو كذلك فيه أبداً». قال الترمذي بعد إخراجه : غريب لا نعرفه إلاّ من حديث ابن لهيعة عن درّاج. قال ابن كثير : وفيه غرابة ونكارة انتهى، وقد أخرجه جماعة من قول أبي سعيد. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : صَعُوداً صخرة في جهنم يسحب عليها الكافر على وجهه. وأخرج ابن المنذر عنه قال : جبل في النار. وأخرج ابن المنذر عنه أيضاً في قوله : لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ قال : لا تبقي منهم شيئًا، وإذا بدّلوا خلقاً آخر لم تذر أن تعاودهم سبيل العذاب الأوّل. وأخرج عبد بن حميد عنه أيضاً لَوَّاحَةٌ لّلْبَشَرِ قال : تلوح الجلد فتحرقه وتغير لونه، فيصير أسود من الليل. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً لَوَّاحَةٌ قال : محرقة. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في البعث عن البراء : أن رهطاً من اليهود سألوا بعض أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم عن خزنة جهنم، فقال : الله ورسوله أعلم، فجاء جبريل، فأخبر النبيّ صلى الله عليه وسلم، فنزلت عليه ساعتئذٍ عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ . وإني بحمد الله لا ثوب فاجر لبست ولا من غدرة أتقنع
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني