ﮭﮮ

قوله :«قُمْ » إما أن يكون من القيام المعهود، فيكون المعنى : قم من مضجعك، وإما من «قام » بمعنى الأخذ في القيام، كقوله :[ الطويل ]
٤٩٤٤ - فَقَامَ يَذُودُ النَّاسَ عَنْهَا بِسيْفِهِ ***. . . ١
وقوله :[ الوافر ]
٤٩٤٥ - عَلَى مَا قَامَ يَشْتُمُنِي لَئِيمُ ***. . . ٢
في أحد القولين، فيكون المعنى : قيام عزم وتصميم، والقول الآخر : أن «قام » مزيدة، وفي جعلها بمعنى الأخذ في القيام نظر ؛ لأنه حينئذ يصير من أخوات «عَسَى » فلا بد له من خبر يكون فعلاً مضارعاً مجرداً.
قوله : فَأَنذِرْ ، مفعوله محذوف، أي : أنذر قومك عذاب الله، والأحسن أن لا يقدر له، أي : أوقع الإنذار.

فصل في معنى الآية


المعنى : يا أيها الذي قد دُثِّر ثيابه، أي : تغشى بها ونام.
وقيل : ليس المراد التدثر بالثوب، فإن قلنا التدثر، ففيه وجوه :
أحدها : أن هذا من أوائل ما نزل من القرآن.
روى جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«كُنْتُ عَلى جَبلِ حِراءَ، فنُودِيتُ يا مُحَمَّدُ، إنَّكَ لرَسُولٌ، فنَظرْتُ عَنْ يَمِينِي، ويسَارِي، فَلمْ أرَ أحَداً فنَظرْتُ فَوْقِي فَرأيتُ المَلكَ الذي جَاءَنِي بحِراءَ جَالِساً عَلى كُرسِي بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، فَخِفْتُ فَرجَعْتُ إلى خَدِيْجَةَ، فقلتُ : دَثِّرُوني، وصبُّوا عليَّ ماءاً بارداً »، فأنزلَ اللَّهُ تعالى : يا أيها المدثر ٣.
وثانيها : أن أبا جهل، وأبا لهب، وأبا سفيان، والوليد بن المغيرة، والنضر بن الحارث، وأميَّة بن خلف، والعاص بن وائل والمطعم بن عدي، اجتمعوا وقالوا : إنَّ وفود العرب مجتمعون في أيام الحج، وهم يسألون عن أمر محمدٍ صلى الله عليه وسلم وقد اختلفتم في الإخبار عنه، فمن قائل هو مجنون. وقائل : كاهن. وقائل : ساحر، وتعلم العرب أن هذا كله لا يجتمع في رجل واحد، فيستدلون باختلاف الأجوبة على أنها أجوبة باطلة، فسمُّوا محمداً باسم واحد يجتمعون عليه، وتسميه العرب به فقدم رجل منهم فقال : إنه شاعر، فقال الوليد : سمعت كلام عبيدة بن الأبرص [ وكلام أمية بن أبي الصلت، وكلامه ما يشبه كلامهما، فقالوا : كاهن : فقال :] الكاهن يصدق ويكذب، وما كذب محمد صلى الله عليه وسلم قط، فقال آخر : إنه مجنون، فقال الوليد : الجنون يخنق الناس وما خنق محمد قط، ثم قام الوليد فانصرف إلى بيته، فقال الناس : صبأ الوليد بن المغيرة، فدخل عليه أبو جهل فقال : ما لك يا أبا عبد شمس، هذه قريش تجمع لك شيئاً يعطونكه، زعموا أنك قد احتجت وصبأت، فقال الوليد : ما لي إليه حاجة، ولكني فكرت في محمد، فقلت : إنه ساحر لأن الساحر هو الذي يفرق بين الأب وابنه، وبين الأخ وأخيه، وبين المرأة وزوجها، فشاع ذلك في الناس، فصاحوا يقولون : محمد ساحر والناس مجتمعون، فوقعت الصيحةُ في الناس فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك اشتد عليه ورجع إلى بيته محزوناً، فتدثر بقطيفة فأنزل الله تعالى : يا أيها المدثر .
وثالثها : أنه صلى الله عليه وسلم كان نائماً، متدثراً بثيابه، فجاءه جبريل - عليه السلام - وأيقظه - عليه الصلاة والسلام -، وقال : يا أيها المدثر قُمْ فَأَنْذِرْ كأنه قال : اترك التدثر بالثياب، واشتغل بهذا المنصب الذي نصبك الله تعالى له.
وإن قلنا : ليس المراد منه التدثر بالثياب ففيه وجوه :
الأول : قال عكرمة : يا أيها المدثر بالنبوة، والرسالة٤ انْقُلْها، من قولهم : ألبسه اللَّهُ لباس التقوى وزيَّنَهُ برداء العلم.
قال ابن العربي :«وهذا مجاز بعيد، لأنه لم يكن تنبأ بعد، وإن قلنا : إنها أول القرآن لم يكن نبياً بعد إلا إن قلنا : إنها ثاني ما نزل ».
الثاني : أن المدثر بالثوب يكون كالمتخفي فيه، فإنه صلى الله عليه وسلم كان في جبل حراء كالمتخفي من النَّاس، فكأنه قال : يا أيها المدثِّر بدثار الاختفاء قم بهذا الأبر واخرج من زاوية الخمول، واشتغل بإنذار الخلق، والدعوة إلى معرفة الحقِّ.
الثالث : أنه تعالى جعله رحمة للعالمين، فكأنه قيل له : يا أيها المدثِّر بأثواب العلم العظيم، والخلق الكريم، والرحمة الكاملة :«قُمْ فأنْذِرْ » عذاب ربّك.

فصل في لطف الخطاب في الآية


قوله تعالى : يا أيها المدثر ملاطفة في الخطاب من الكريم إلى الحبيب إذ ناداه بحاله وعبر عنه بصفته، ولم يقل : يا محمدُ، كما تقدم في المزمل.

فصل في معنى «فأنذر »


ومعنى قوله تعالى : فَأَنذِرْ ، أي : خوِّف أهل مكة، وحذرهم العذاب إن لم يسلموا.
وقيل : الإنذار هنا : إعلامهم بنوته - عليه الصلاة والسلام - لأنها مقدمة الرسالة.
وقيل : هو دعاؤهم إلى التوحيد لأنه المقصود.
وقال الفراء : قم فصلِّ ومر بالصلاة.
١ تقدم..
٢ تقدم..
٣ أخرجه البخاري (١/٢٥-٢٦) كتاب: بدء الوحي رقم (٢) ومسلم (٤/١٨١٦-١٨١٧) كتاب الفضائل: باب عرق النبي صلى الله عليه وسلم في البرد (٨٧-٢٣٣٣) والطبري في "تفسيره" (١٢/٢٩٦) والترمذي (٥/٣٩٩) رقم (٣٣٢٥). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٤٥٠) وزاد نسبته إلى الطيالسي وعبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد وابن الضريس وابن المنذر وابن مردويه..

٤ ذكره الماوردي في "تفسيره" (٦/١٣٥) والقرطبي (١٩/٤١)..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية