ﭕﭖﭗﭘ

كرّر للتأكيد، و " ثم " للإشعار بأنَّ الدعاء الثاني أبلغ، وقيل : هو تعجيب من تقديره وإصابته فيه الغرض الذي كان ينتحيه قريش، قاتلهم الله، كما يقال : قاتله الله ما أشجعه، وأخزاه الله ما أشعره ! رُوي أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ " حم " غافر، أو فُصلت، ثم رجع إلى بني مخزوم، فقال : والله لقد سمعتُ من محمد كلاماً ما هو من كلام الإنس، ولا من كلام الجن، وإنَّ له لحلاوة، وإنَّ عليه لَطلاوة، وإنَّ أعلاه لمُثمر، وإنَّ أسفله لمُغدق، وإنه يعلو ولا يُعلى عليه، فقالت قريش : صبأ والله الوليد، لتَصْبُوَنّ قريش كلها، فقال ابن أخيه أو جهل : أنا أكفيكموه، فانطلق إليه حزيناً، فقال له : ما لي أراك حزيناً ؟ فقال : وما لي لا أحزن، وهذه قريش يجمعون لك نفقة يعينونك على كِبر سنك، يزعمون أنك زيّنت كلام محمد، تدخل على ابن أبي كبشة وأبي قحافة، لِتنال من طعامهم، فغضب الوليد، وقصدهم، وقال : تزعمون أنَّ محمداً مجنون، فهل رأيتموه يُخْنِقُ قط ؟ قالوا : لا، قال : تزعمون أنه شاعر، فهل رأيتموه ينطق بشعر قط ؟ قالوا : لا، قال : تزعمون أنه كاهن، فهل رأيتموه يتكهّن قط ؟ قالوا : لا، قال : تزعمون أنه كذّاب، فهل جريتم عليه من الكذب قط ؟ قالوا : اللهم لا، ثم قالوا له : فما هو ؟ ففكَّر فقال : ما هو إلاَّ ساحر، أمّا رأيتموه يُفرّق بين الرجل وأهله وولده ومواليه ؟ وما الذي يقوله إلاّ سحر يأثره عن أهل بابل، فارتجّ النادي فرحاً، وتفرّقوا معْجبين بقوله متعجبين منه، وهذا معنى قوله : إنه فكَّر. . . الخ.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : هذه الآية تَجُر ذيلها على كل مَن آتاه الله المالَ والجاه البنين، ثم جعل ينتقد على أولياء الله، ويحتقر أهل النسبة، بل على كل مَن يُطلق لسانه في أهل النسبة يناله ما نال الوليد ؛ لأنه كان لآيات الله ـ وهم خاصة أوليائه ـ عنيداً جاحد القلب، وحاسداً، سأُرهقه صَعُوداً، أي : عذاباً متعباً له، في الدنيا بالحرص والطمع، وفقر القلب، وكذا العيش في الآخرة بسدل الحجاب، والطرد عن ساحة المقربين، إنه فَكَّر فيما يكيد به أولياءه، وقَدّر ذلك، فلُعن كيف قَدّر، ثم نظر إليهم فعبس وبسر. قلت : وقد رأيتُ بعض المتفقهة المتجمدين، إذا رأوا أحداً من أهل التجريد، عبسوا وقطَّبوا وجوههم، ولووا رؤوسهم، لشدة حَنقهم على هذه الطائفة، نعوذ بالله من الحرمان. وكل ما رُمي به صلى الله عليه وسلم من السحر وغيره قد رُمي به خلفاؤه، فيُقال لمَن رماهم وعابهم : سأُصليه سقر، نار القطيعة والبُعد، لا تبقي له رتبة، ولا تذر له مقاماً ولا جاهاً عند الله، تُزيل عنه سيما العارفين ومهجة المحبين وتغير بشريته بالكآبة والحسرة، والتأسُّف عن التخلُّف عن مقام المقربين، عليها، أي : على النار المحيطة بهم، تسعة عشر حجاباً ؛ حجاب المعاصي القلبية والقالبية، ثم حجاب الغفلة، ثم حُب الدنيا، ثم حب الهوى، ثم الحسد، ثم الكفر، ثم الحقد، ثم الغضب، ثم حب الظهور، ثم حب الجاه، ثم الطمع، ثم الحرص، ثم خوف الفقر، ثم هَم الرزق، ثم خوف الخلق، ثم التدبير والاختيار، ثم العَجَلة، ثم الرعونة، ثم حجاب الحسد والوهم. والله تعالى أعلم.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير