لا تُبقي ولا تَذرُ ، بيان لحالها، أي : لا تُبقي شيئاً يُلقى فيها إلاَّ أهلكته، وإذا هلك لم تذره هالكاً حتى يُعاد، أو : لا تُبقي لحماً، ولا تذرُ عظماً، أو : لا تُبقي لحماً إلاّ أكلته، ولا تدع أن تعود عليه أشد ما كانت، وقال الضحاك : إذا أخذت فيهم لم تُبق منهم شيئاً، وإذا أُعيدوا لم تذرهم حتى تفنيهم، ولكل شيء فترة ومَلالة إلاّ جهنم. ه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : هذه الآية تَجُر ذيلها على كل مَن آتاه الله المالَ والجاه البنين، ثم جعل ينتقد على أولياء الله، ويحتقر أهل النسبة، بل على كل مَن يُطلق لسانه في أهل النسبة يناله ما نال الوليد ؛ لأنه كان لآيات الله ـ وهم خاصة أوليائه ـ عنيداً جاحد القلب، وحاسداً، سأُرهقه صَعُوداً، أي : عذاباً متعباً له، في الدنيا بالحرص والطمع، وفقر القلب، وكذا العيش في الآخرة بسدل الحجاب، والطرد عن ساحة المقربين، إنه فَكَّر فيما يكيد به أولياءه، وقَدّر ذلك، فلُعن كيف قَدّر، ثم نظر إليهم فعبس وبسر. قلت : وقد رأيتُ بعض المتفقهة المتجمدين، إذا رأوا أحداً من أهل التجريد، عبسوا وقطَّبوا وجوههم، ولووا رؤوسهم، لشدة حَنقهم على هذه الطائفة، نعوذ بالله من الحرمان. وكل ما رُمي به صلى الله عليه وسلم من السحر وغيره قد رُمي به خلفاؤه، فيُقال لمَن رماهم وعابهم : سأُصليه سقر، نار القطيعة والبُعد، لا تبقي له رتبة، ولا تذر له مقاماً ولا جاهاً عند الله، تُزيل عنه سيما العارفين ومهجة المحبين وتغير بشريته بالكآبة والحسرة، والتأسُّف عن التخلُّف عن مقام المقربين، عليها، أي : على النار المحيطة بهم، تسعة عشر حجاباً ؛ حجاب المعاصي القلبية والقالبية، ثم حجاب الغفلة، ثم حُب الدنيا، ثم حب الهوى، ثم الحسد، ثم الكفر، ثم الحقد، ثم الغضب، ثم حب الظهور، ثم حب الجاه، ثم الطمع، ثم الحرص، ثم خوف الفقر، ثم هَم الرزق، ثم خوف الخلق، ثم التدبير والاختيار، ثم العَجَلة، ثم الرعونة، ثم حجاب الحسد والوهم. والله تعالى أعلم.