تفسير سورة القيامة (١)
بسم الله الرحمن الرحيم
١ - لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) لا اختلاف بين المفسرين (٢) وأهل المعاني(٢) حكى الإجماع كل من السمرقندي في "بحر العلوم" ٣/ ٤٢٥، وابن الجوزي في "زاد المسير" ٨/ ١٣٢، والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" ١٩/ ٩٠، والخازن في "لباب التأويل" ٤/ ٣٣٢. كما نقل الإجماع الشوكاني في "فتح القدير" ٥/ ٣٣٥، وذكر الطبري في "تفسيره" ٢٩/ ١٧٤ إجماع "الحجة" على أن معنى الآية: أقسم. وهناك من خالف الإجماع بالقول إن (لا) لنفي القسم، وهذا قول أبي مسلم، ورجحه الفخر الرازي في "التفسير الكبير" ٣٠/ ٢١٥، والزمخشري في "الكشاف" ٤/ ١٦٣، والألوسي في "روح المعاني" ٢٩/ ١٣٥. وقد استبعد الواحدي هذا القول، ولم يلق له اعتبارًا لضعفه، ولمخالفته للحجة من جمهور المفسرين. كما رده أيضًا أبو حيان في "البحر المحيط" ٨/ ٣٧٥، واستبعده الشنقيطي في كتابه: "دفع إيهام الاضطراب" ٣٢٥، و"الملحق بأضواء البيان" ١٠. كما أن للضحاك أيضًا قولًا في معنى: (لا أقسم) قال: إن الله لا يقسم بشيء من خلقه، ولكنه استفتاح يستفتح به كلامه. وقد ضعف ابن كثير هذا القول الذي لا يقوم على دليل، ولا ينهض بحجة. انظر: "تفسير القرآن العظيم" ٤/ ٣١٩ في تفسير سورة الواقعة، الآية: ٧٥. وبذكر المخالف للإجماع يتبين منهج الإمام الواحدي في حكاية الإجماع كما بينته وقررته سابقًا في سورة الحاقة. وقد قال د. محمد الخضيري في =
أن المراد: أقسم بيوم القيامة. وكذلك ما بعده، وقد ذكرنا فيما تقدم (١) من مثل هذا وجهين:
أحدهما: أن (لا) صلة (٢). والثاني: أن تكون ردًّا لكلام قد سبق. وكلا الوجهين هاهنا جائز، وإن وقع (لا) في أول السورة؛ لأن القرآن قوله كالسورة الواحدة، لاتصال بعضه ببعض، فمجازه مجاز الكلام الواحد، والذي يدل عليه: ذلك أنه قد يذكر الشيء في سورة، فيجيء جوابه في سورة أخرى، كقوله تعالى: وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) [الحجر: ٦]، جاء جوابه في سورة أخرى، وهو قوله: مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) [القلم: ٢].
وإذا كان الأمر على هذا جاز أن تكون (لا) صلة لقوله: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ [الحديد: ٢٩]، و فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ [آل عمران: ١٥٩]. هذا قول أبى إسحاق (٣) وأبى علي (٤).
وأما أهل المعاني فقال بذلك أبو عبيدة في "مجاز القرآن" ٢/ ٢٧٧، والزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" ٥/ ٢٥١.
(١) كما جاء في سورة الواقعة: ٧٥، وسورة القلم: ١٧، وسورة الحاقة: ٣٨.
(٢) أي: حرف زائد، والقول بأن (لا) صلة من اصطلاح الكوفيين. انظر. "نحو القراء الكوفيين" ٣٤١.
(٣) "معاني القرآن وإعرابه" ٥/ ٢٥١، نقل عنه الواحدي بتصرف، وأكثر تفصيلًا.
(٤) "الحجة" ٦/ ٣٤٣، ٣٤٤ بتصرف.
وقال الفراء: ولا يبتدأ بجحد (١)، ثم يجعله صلة (٢) يراد به الطرح، ولو جاز هذا لما عرف خبر فيه جحد من خبر لا جحد فيه، ولكن القرآن جاء بالرد على الذين أنكروا البعث، والجنة، والنار، فجاء الإقسام عليهم فالرد في كثير من الكلام المبتدأ منه، وغير المبتدأ، كقولك في الكلام: لا والله لا أفعل ذلك، جعلوا (لا)، وإن رأيتها مبتدأة ردًّا لكلام قد سبق كان مضى، فلو ألقيت (لا) مما ينوى به الجواب لم يكن بين [اليمين التي تكون جوابًا و] (٣) اليمين التي تستأنف فرق، ألا ترى أنك تقول مبتدئًا: والله إن الرسول لحق، فإذا قلت: لا والله إن الرسول لحق، فكأنك أكذبت قومًا أنكروا، فهذا وجه (لا) مع الإقسام في كل موضع ترى فيه (لا) مبتدأ بها، وهو كثير في الكلام (٤) (٥).
ويدل على أن المعنى إثبات القسم قراءة من قرأ: (لأقسم) يجعلها (لامًا) دخلت على: (أقسم) [وهي] (٦) قراءة الحسن (٧).
(٢) حرف زائد.
(٣) ما بين المعقوفين ساقط من النسختين، وما أثبته فمن "معاني القرآن" للفراء ٣/ ٢٠٧، ولا يستقيم الكلام بدونه.
(٤) نحو ما جاء في سور: الواقعة ٧٥، والقلم: ١٧، والحاقة: ٣٨.
(٥) "معاني القرآن" ٣/ ٢٠٧ بيسير من التصرف.
(٦) في كلا النسختين: هو.
(٧) انظر: "الحجة" ٦/ ٣٤٥، و"المحتسب" ٢/ ٣٤١، و"المبسوط" ٣٨٨، و"حجة القراءات" ٧٣٥، و"الكشف" ٢/ ٣٤٩، و"معاني القرآن" للفراء ٣/ ٢٠٧.
وقراءة: (لأقسم) قراءة سبعية صحيحة قرأ بها ابن كثير بخلف عن البزي، كما قرأ بها قنبل.
انظر المراجع السابقة عدا "المحتسب"، وانظر: كتاب السبعة: ٦٦١، و"البدور =
والثانية: متفقة على: (لا أقسم) (١). قال الحسن: أقسم بالأولى، ولم يقسم بالثانية (٢).
واختار أبو عبيد قراءة العامة، قال: لأنها لو كانت على قسم (٣) مستأنفة للزم أن تلحق النون، فتكون (لأقسمن)؛ لأن العرب لا تقول: لأفعل كذا إذا أرادوا الإيجاب في المستقبل، وإنما يقولون: لأفعلن (٤). وهذا الذي قاله أبو عبيد (هو في أكثر الأمر يكون على ما ذكر، ويجوز إدخال اللام من غير النون. حكى ذلك سيبويه، وأجازه (٥).
وكما لم تلحق (النون) مع (اللام) في هذه القراءة، كذلك يجوز أن لا تلحق (اللام) مع (النون) كما قال الشاعر (٦):
(١) لا خلاف بين القراء في إثبات الألف في الموضع الثاني، وهو: (ولا أقسم بالنفس).
انظر المراجع السابقة.
(٢) لم أعثر على نصه فيما بين يدي من كنبه، وقد ورد في "جامع البيان" ٢٩/ ١٧٣، و"النكت والعيون" ٦/ ١٥١، و"المحرر الوجيز" ٥/ ٤٠٢، و"زاد المسير" ٨/ ١٣٣، و"البحر المحيط" ٨/ ٣٨٤، و"تفسير القرآن العظيم" ٤/ ٤٧٧، و"فتح القدير" ٥/ ٣٣٥. وانظر: "تفسير الحسن البصري"، تح: د. محمد عبد الرحيم: ٢: ٣٧٧.
(٣) في (ع): قسيم.
(٤) لم أعثر على مصدر لقوله، وانظر: "الأمالي الشجرية" ١/ ٣٦٩.
(٥) انظر: "كتاب سيبويه" ٣: ١٠٤/ ١٠٥
(٦) هو: عامر بن الطفيل، وهو من أشهر فرسان العرب بأسًا وشدة ونجدة.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي