ﯕﯖﯗﯘ

وبه يشبّهون الفاكهة، ولا يريدون به ما يقرص اللسان «١».
[سورة الإنسان (٧٦) : الآيات ١٨ الى ٢١]
عَيْناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً (١٨) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً (١٩) وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً (٢٠) عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً (٢١)
أي: يسقون من عين- أثبت السقيّ وأجمل من يسقيهم لأنّ منهم من يسقيه الحقّ- سبحانه- بلا واسطة.
قوله جل ذكره: «وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً» أي: يخدمهم ولدان مخلدون (وصفا لا يجوز واحد منهم حدّ الوصائف) «٢».
وجاء في التفسير: لا يهرمون ولا يموتون. وجاء مقرّطون.
إذا رأيتهم حسبتهم من صفاء ألوانهم لؤلؤا منثورا «٣».
وفي التفسير: ما من إنسان من أهل الجنة إلا ويخدمه ألف غلام.
قوله جل ذكره: «وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً» «ثَمَّ» : أي في الجنة.
«مُلْكاً كَبِيراً» : فى التفاسير أن الملائكة تستأذن عليهم بالدخول.
وقيل: هو قوله: «لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها» «٤» ويقال: أي لا زوال له.

(١) من ذلك قول المسيب بن علس يصف ثغر المرأة:
وكأن طعم الزنجبيل به إذ ذقته وسلافة الخمر
وقال الأعشى:
كأن القرنفل والزنجبي ل باما بفيها وأريا مشورا
(والأرى- هو العسل).
(٢) هكذا في النسختين وفيها شىء من غموض.
(٣) قيل: إنما شبههم باللؤلؤ المنثور لأنهم سراع في الخدمة، بخلاف الحور العين إذ شبههن باللؤلؤ المكنون المخزون لأنهن لا يمتهنّ بالخدمة (القرطبي ح ١٩ ص ١٤٤).
(٤) آية ٣٥ سورة ق. [.....]

صفحة رقم 665

«عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً» يحتمل أن يكون هذا الوصف للأبرار. ويصح أن يكون للولدان وهو أولى، والاسم يوافق الاسم دون العين «١».
«شَراباً طَهُوراً» : الشراب الطهور هو الطاهر في نفسه المطهّر لغيره.
فالشراب يكون طهورا في الجنة- وإن لم يحصل به التطهير لأن الجنة لا يحتاج فيها إلى التطهير.
ولكنه- سبحانه- لمّا ذكر الشراب- وهو اليوم في الشاهد نجس- أخبر أنّ ذلك الشراب غدا طاهر، ومع ذلك مطهّر يطهّرهم عن محبة الأغيار، فمن يحتس من ذلك الشراب شيئا طهّره عن محبة جميع المخلوقين والمخلوقات.
ويقال: يطهّر صدورهم من الغلّ والغشّ، ولا يبقى لبعضهم مع بعض خصيمة (ولا عداوة) «٢» ولا دعوى ولا شىء.
ويقال: يطهّر قلوبهم عن محبة الحور العين.
ويقال: إن الملائكة تعرض عليهم الشراب فيأبون قبوله منهم، ويقولون:
لقد طال أخذنا من هؤلاء، فإذا هم بكاسات تلاقى أفواههم بغير أكفّ من غيب إلى عبد.
ويقال: اليوم شراب وغدا شراب... اليوم شراب الإيناس «٣» وغدا شراب الكأس، اليوم شراب من الّلطف وغدا شراب يدار على الكفّ.

(١) أرأيت كيف يلمح القشيري على هذا المعنى؟
(٢) غير موجودة في م وموجودة في ص.
(٣) هكذا في ص وهي في م (الأنفاس)، والصواب ما أثبتنا كما يتضح فيما بعد (آنسه).

صفحة رقم 666

ويقال: من سقاه اليوم شراب محبّته آنسه وشجّعه فلا يستوحش في وقته من شىء، ولا يضنّ بروحه عن بذل. ومن مقتضى شربه بكأس محبته أن يجود على كلّ أحد بالكونين من غير تمييز، ولا يبقى على قلبه أثر للأخطار.
ومن آثار شربه تذلّله لكلّ أحد لأجل محبوبه، فيكون لأصغر الخدم تراب القدم، لا يتحرّك فيه للتكبّر عرق.
وقد يكون من مقتضى ذلك الشراب أيضا في بعض الأحايين أن يتيه على أهل الدارين.
ومن مقتضى ذلك الشراب أيضا أن يملكه سرور ولا يتمالك معه من خلع العذار وإلقاء قناع الحياء «١» ويظهر ما هو به من المواجيد:
يخلع فيك العذار قوم... فكيف من ماله عذار؟
ومن موجبات ذلك الشراب سقوط الحشمة، فيتكلم بمقتضى البسط، أو بموجب لفظ الشكوى، وبما لا يستخرج منه- فى حال صحوه- سفيه بالمناقيش «٢»... وعلى هذا حملوا قول موسى: «رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ» «٣» فقالوا: سكر من سماع كلامه «٤»، فنطق بذلك لسانه. وأمّا من يسقيهم شراب التوحيد فينفى عنهم شهود كلّ غير فيهيمون في أودية العزّ، ويتيهون في مفاوز الكبرياء، وتتلاشى

(١) هكذا في م وهي في ص (الحياة)، والملائم لخلع العذار إلقاء قناع (الحياء). والمقصود بهما تجاوز حد الصبر على المكتوم من الحب، ونطق العبد وهو في غلبات الشهود بشطحات ظاهرها مستشنع وإن كان باطنها فى غاية السلامة (انظر تعريف السراج للشطح في اللمع).
(٢) المناقيش جمع منقاش، ويقال في المثل: استخرجت منه حقى بالمناقيش أي تعبت كثيرا حتى استخرجت منه حقى (الوسيط).
(٣) آية ١٤٣ سورة الأعراف.
(٤) الضمير فى (كلامه) يعود على الرب سبحانه حينما قال: «إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ»، وفي موضع آخر يصف القشيري موسى عليه السلام بأنه كان في حال التلوين فظهر عليه ما ظهر، بينما المصطفى (ص) ليلة المعراج كان فى حال التمكين فما زاغ بصره وما طغى.

صفحة رقم 667

تفسير القشيري

عرض الكتاب
المؤلف

عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك القشيري

تحقيق

إبراهيم البسيوني

الناشر الهيئة المصرية العامة للكتاب - مصر
سنة النشر 2000
الطبعة الثالثة
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية