قوله تعالى : وَكُلَّ شَيْءٍ العامة على النصب على الاشتغال، وهو الراجح، لتقدم جملة فعلية.
وقرأ أبو السمال١ : برفع «كُل » على الابتداء، وما بعده الخبر وهذه الجملة معترض بها بين السبب والمسبب، لأنَّ الأصل :«وكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابَا » ف «ذوقوا » مُسَبَّبٌ عن تَكْذيبهم.
قوله :«أحْصَيْنَاهُ ». فيه أوجه :
أحدها : أنه مصدر من معنى أحصينا، أي : إحصاءً، فالتجوُّز في نفس المصدر.
الثاني : أنه مصدر ل «أحْصَيْنَا » لأنَّه في معنى :«كَتَبْنَا » فالتجوُّز في نفس الفعل.
قال الزمخشري :«لانتفاءِ الإحْصاءِ »، والكتبة في معنى الضبط، والتحصيل.
قال ابن الخطيب٢ : وإنَّما عدل عن تلك اللفظة إلى هذه اللفظة ؛ لأن الكتابة هي النهاية في قوة العلم، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم :«قَيِّدُوا العِلْمَ بالكِتَابَةِ » فكأنَّهُ تعالى قال : وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً إحصاءً في القوة والثبات والتأكُّد، كالمكتوب، والمراد من قوله :«كِتَاباً » تأكيد ذلك الإحصاء والعلم، وهذا التأكيد إنَّما ورد على حسب ما يليق بأفهام أهل الظاهر، فإن المكتوب يقبل الزوال، وعلمُ الله - تعالى - بالأشياءِ لا يقبل الزوال ؛ لأنَّه واجبٌ لذاته.
الثالث : أن يكُون منصوباً على الحال، بمعنى مكتوباً في اللوح المحفوظ، لقوله تعالى : وَكُلَّ شيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ في إِمَامٍ مُّبِينٍ [ يس : ١٢ ].
وقيل : أراد ما كتبته الملائكة الموكلون بالعباد، بأمر الله - تعالى - إياهم بالكتابة، لقوله تعالى : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ [ الانفطار : ١٠، ١١ ].
فصل في المراد بالإحصاء
معنى وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ أي : علمنا كُلَّ شيء علماً كما هو لا يزول، ولا يتبدل ونظيره قوله تعالى : أَحْصَاهُ الله وَنَسُوهُ [ المجادلة : ٦ ].
قال ابن الخطيب٣ : وهذه الآية لا تقبل التأويل، لأن الله - تبارك وتعالى - ذكر هذا تقديراً لما ادعاه من قوله تعالى :«جَزَاءً وفاقاً »، كأنه تعالى قال : أنا عالم بجميع ما فعلوه، وعالم بجهات تلك الأفعال، وأحوالها ؛ واعتباراتها التي لأجلها يحصل استحقاق الثواب والعقاب، فلا جرم لا أوصل إليهم من العذاب إلاَّ قدر ما يكون وفاقاً لأعمالهم، وهذا القدر إنما يتمُّ بثبوت كونه عالماً بالجُزئيَّاتِ، وإذا ثبت هذا ظهر أن كل من أنكره كافر قطعاً.
٢ ينظر: الفخر الرازي ٣١/١٨..
٣ الفخر الرازي ٣١/١٧..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود