نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٢٨:قوله : لِمَن شَآءَ مِنكُمْ بدل من «للعالمين » بإعادة العامل، وعلى هذا فقوله : أَن يَسْتَقِيمَ : مفعول «شاء » أي : لمن شاء الاستقامة، ويجوز أن يكون «لمن شاء » خبراً مقدماً، ومفعول شاء محذوف، وأن يستقيم مبتدأ، وتقدم نظيره والمعنى : لمن شاء منكم أن يستقيم.
قال أبو جهل : الأمر إلينا إن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم نستقم وهذا هو القدر، وهو رأس القدرية. فنزلت : وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله رَبُّ العالمين ، فبين بهذا أنه لا يعمل العبد خيراً إلا بتوفيق الله تعالى، ولا شرًّا إلا بخذلانه.
قوله : إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله ، أي : إلا وقت مشيئة الله تعالى.
وقال مكيٌّ :«أن » في موضع خفض بإضمار «الباء »، أو في موضع نصب بحذف الخافض.
يعني : أن الأصل «إلا بأن »، وحينئذ تكون للمصاحبة.
فصل في تفسير الآية
قال الحسن : والله ما شاءت العرب الإسلام حتى شاء الله تعالى لها١.
وقال وهب بن منبه - رضي الله عنه - : قرأت في تسعة٢ وثمانين كتاباً مما أنزل الله - تعالى - على الأنبياء : من جعل إلى نفسه شيئاً فقد كفر، وفي التنزيل : وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ الملائكة وَكَلَّمَهُمُ الموتى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ ليؤمنوا إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله [ الأنعام : ١١١ ].
وقال تعالى : وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله [ يونس : ١٠٠ ].
وقال تعالى : إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ولكن الله يَهْدِي مَن يَشَآءُ [ القصص : ٥٦ ]، والآيُ في هذا كثيرة وكذلك الأخبار وأن الله - تعالى - هدى بالإسلام، وأضلَّ بالكفر٣.
قال ابنُ الخطيب٤ : وهذا عين٥ مذهبنا ؛ لأن الأفعال موقوفة على مشيئتنا، ومشيئتنا موقوفة على مشيئة الله، والموقوف على الشيء موقوف على ذلك الشيء، فأفعال العباد ثبوتاً ونفياً موقوفة على مشيئة الله تعالى، وحمل المعتزلة ذلك على أنها مخصوصة بمشيئة الإلجاء والقهر، وذلك ضعيف ؛ لأن المشيئة الاختيارية حادثة، فلا بد من محذوف، فيعود الكلام. والله تعالى أعلم.
٢ في أ: سبعة..
٣ ينظر: المصدر السابق..
٤ ينظر: الفخر الرازي ٣١/٦٩..
٥ في أ: غير..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود