ﭺﭻﭼﭽ

كلاَّ ، ردع عن الاغترار بكرم الله تعالى، وجعله ذريعة إلى الكفر المعاصي، مع كونه موجباً للشكر والطاعة. والإضرابَ في قوله تعالى : بل تُكذِّبون بالدين عن جملة مقدّرة ينساق إليها الكلام، كأنه قيل بعد الردع بطريق الاعتراض : وأنتم لا ترتدعون عن ذلك، بل تجترئون على أقبح من ذلك، وهو تكذيبكم بالجزاء والبعث، أو بدين الإسلام، الذي هو من جملة أحكامه، فلا تُصدقون به.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : يا أيها الإنسان، ما غرَّك بالله حتى لم تنهض إلى حضرة قدسه ؟ ! غرّه جهله ومتابعة هواه، أو قناعته من ربه، والقناعة من الله حرمان، أو غلطه، ظن أنه كامل وهو ناقص من كل وجهٍ، أو ظنّ أنه واصل، وهو ما رحل عن نفسه قدماً واحداً، ظنّ أنه في أعلى عليين باق في أسفل سافلين، وهذا الغلط هو الذي غَرّ كثيراً من الصالحين، تراموا على مراتب الرجال، وهم في مقام الأطفال، سبب ذلك عدم صُحبتهم للعارفين، ولو صَحِبوا الرجالَ لرأوا أنفسهم في أول قدم مِن الإرادة، وهذا هو الجهل المركّب، جَهلوا، وجهلوا أنهم جاهلون. ثم شوّقه إلى السير إليه بالنظر إلى صورة بشريته، فإنه عدلها في أحسن تقويم، ثم نفخ فيه روحاً قدسية سماوية من روحه القديم، ثم لمّا زجر عن الاغترار لم ينزجروا، بل تمادوا على الغرور، وفعلوا فعل المكذِّب بالبعث والحساب ؛ مع أنّ عليهم من الله حفظة كِراماً، يعلمون ما يفعلون، فلم يُراقبوا الله جلّ جلاله، المُطَّلع على سرهم وعلانيتهم، ولم يحتشموا من ملائكته المُطَّلعين على أفعالهم. والله تعالى أعلم.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير