ﮨﮩﮪﮫ

ثم نوّه بقَدْره فقال : وما أدراك ما عليون كتابٌ مرقومٌ أي : موضع كتاب، أو فيه كتاب مرقوم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : قال الورتجبي : كتاب الأبرار كتابٌ مرقوم برقم الله، رقمه بسعادتهم الأزلية، وولايتهم الأبدية، وذلك الكتاب عنده لا يطلع عليه إلاَّ المقربون المخاطبون بحديثه وكلامه، المكاشفون بالحقائق الغيبية، قال أبو عثمان المغربي : الكتاب المرقوم : هو ما يُجري اللّهُ على جوارحك من الخير والشر، رقمها بذلك، وهو لا يخاف ما رقم به، وذلك الرقْم معلّق بالقضاء والقدر عن القدرة بمشيئته تعالى عليه، ولا نزوع عن ذلك ولا حيلة له فيه، فهو في ذلك معذور في الظاهر، غير معذور في الحقيقة، هذا لعوام الخلق، وأمّا للخواص والأولياء وأهل الحقائق فإنه رقْم الله على كل شيء أوجده، لم يُشْرف على ذلك الرقْم إلاَّ المقربون، فهم أهل الإشراف، فمَن شاهد ذلك الرقْم من المقربين عرف صاحبه بما رقم به من الولاية والعداوة، فيُخبر عنه، وهو الإشراف والفراسة، كما كان لعُمر حين أخبر عنه صلى الله عليه وسلم بقوله :" كان في الأمم مُكلَّمون... " الحديث١، أي : فعُمر ممن أشرف على حقائق الرقْم، وعلى معاني الكتاب المرقوم، فمَن كان بذلك الحال فهو المكلّم من جهة الحق بلا واسطة. قال الجريري : رقْمٌ رَقَم اللّهُ به قلوبَ عباده بما قضى عليهم في الأزل من السعادة والشقاوة، وبذلك الرقْم خَفي في أسرار العباد، وظهر على هياكلهم، كما قال صلى الله عليه وسلم :" كُلٌّ مُيَسَّرٌ لما خُلق له " ٢.
والحاصل : أنَّ الكتاب المرقوم : هو ما سطر لكل أحد في الأزل، فإن رقم له بالسعادة جعلَ في عليين، إشارة إلى أنَّ صاحبه يلحق به، وإن رقم بالشقاوة جعل في سجين، إشارة إلى لحوق صاحبه به. وقوله تعالى : يشهده المقربون أي : يشهدونه بعلوم أفكارهم ومكاشفة أسرارهم، وقد ينطقون بذلك في حال الفيض أو الجذب، وهؤلاء هم المكلَّمون، وفي الحديث :" قد كان في الأمم مكلَّمون، وإن يكن في أمتي فعُمر " والمقربون هم أهل الفناء والبقاء.
ثم قال تعالى : إنَّ الأبرار لفي نعيم لذة الطاعات وحلاوة المناجاة، على أرائك المقامات ينظرون ما يفعل الله بهم. وقال القشيري : ينظرون في روضات الجنان الروحية والسرية والقلبية، لكل منهم روضة مخصوصة. هـ. ولعل نظرهم علمياً لا ذوقياً، لأنَّ الذوق للمقربين، تَعْرِفُ في وجوههم نضرة النعيم، وهو ما يظهر على وجوههم من بهجة المحبة ونضرة القُربة، ولعل المراد بالأبرار هنا السائرون، ولذلك قال : يُسقَون من رحيق خمرة المحبة الأزلية، الصافية من كدر الهوى، مختوم عليه في قلوب العارفين. قال القشيري : أواني ذلك الشراب هي قلوب الأصفياء والأولياء، خِتامه مسك، وهو محبة الحق، لا يشرب من تلك الأواني المختومة إلاَّ الطالبون الصادقون في طريق السلوك إلى الله. هـ. وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، فمَن فاته حظه من هذه الخمرة فهو محروم، كما قال ابن الفارض :

علَى نَفْسِه فَلْيبْك مَن ضاعَ عُمْرُه وليس لَهُ مِنْها نَصيبٌ ولا سَهْمٌ
وقال القشيري : وتنافسهم فيه بالمبادرة إلى الأعمال الصالحة، وتعليق القلب بالله، والانسلاخ من الأخلاق الدنية، وجولان الهمم في الملكوت، واستدامة المناجاة. هـ. ومِزاجه من تسنيم، وهو عين بحر الوحدة الصافية، التي قال فيها القطب ابن مشيش رضي الله عنه : وأغرقني في بحر الوحدة.. الخ، ولذلك فسّرها تعالى بقوله : عيناً يشرب بها المقربون فالمقربون يشربونه صرفاً في الدنيا والآخرة، ويمزج لغيرهم، قال بعضهم : لأنه ليس مَن احتمل حمل الصفات كمن قَوِي على مشاهدة الذات، وشربها المقربون صرْفاً لحملهم الذات والصفات جميعاً. هـ. ولأنهم صفّوا محبتهم في الدنيا من شوائب الهوى، فصفّى شرابهم في دار البقاء، وفي هذا المقام ينبغي التنافس الحقيقي، كما قال الشاعر :
فروحي وريحاني إذا كنت حاضراً وإن غبتَ فالدنيا عليّ محابسُ
إذا لم أنافس في هواك ولم أغر عليكَ ففي مَن ليت شعري أنافس
فلا تمقتن نفسي فأنت حبيبُها فكل امرئ يصبو إلى مَن يجانس
فتنافس الأبرار في حيازة النعيم، وتنافس المقربين في حيازة المنعِم، تنافسُ الأبرار في نعيم الأشباح وتنافس المقربين في نعيم الأرواح، ورضوان من الله أكبر، ذلك هو الفوز العظيم، جعلنا الله من أهل التنافس فيه وفي شهوده، آمنين.

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير