المعنى الجملي : بين سبحانه في أوائل هذه السورة أهوال يوم القيامة، فذكر أنه حين انشقاق السماء واختلال نظام العالم، وانبساط الأرض بنسف ما فيها من جبال، وتخليها عما في جوفها- يلاقي المرء ربه فيوفيه حسابه، وينقسم الناس حينئذ فريقين :
( ١ ) فريق الصالحين البررة، وهؤلاء يحاسبون حسابا يسيرا ويرجعون مسرورين إلى أهلهم.
( ٢ ) فريق الكفرة والعصاة، وهؤلاء يؤتون كتبهم وراء ظهورهم، ثم يصلون حر النار لأنهم كانوا فرحين بما يتمتعون به من اللذات والجري وراء الشهوات، إذ كانوا يظنون أن لا بعث ولا حساب، ولا ثواب ولا عقاب.
شرح المفردات : وراء ظهره : أي يؤتاه بشماله من وراء ظهره، والثبور : الهلاك أي ينادي ويقول : واثبوراه أقبل فهذا أوانك، ويصلي : أي يقاسي، وسعيرا : أي نارا مستعرة.
( ٢ ) وأما من أوتي كتابه وراء ظهره* فسوف يدعوا ثبورا ويصلى سعيرا أي وأما الذين أكثروا من ارتكاب الجرائم، واجتراح المعاصي، فيؤتون كتبهم بشمائلهم من وراء ظهورهم، ومد اليسار على الكتاب دليل الكراهة، وأظهر في الدلالة على الكراهة والنفور أن يستدبره ويعرض عنه فيكون من وراء ظهره.
وقصارى ما سلف : إن من عرض عليه كتابه وقدم إليه ليأخذه، فاندفع إليه بعزيمة صادقة، لشعوره بأنه مستودع الصالحات، وسجل البر والكرامات، فشأنه كذا وكذا.
ومن قدم إليه كتابه وعرض عليه عمله، فخزيت نفسه وخارت عزيمته، فمد إليه يساره أو أعرض عنه فولاه ظهره لشعوره بأنه ديوان السيئات، وسجين المخازي فأمره كيت وكيت.
يرشد إلى ذلك ما ورد من التفصيل في سورة الحاقة : فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرءوا كتابيه ( ١٩ ) إني ظننت أني ملاق حسابيه ( ٢٠ ) فهو في عيشة راضية [ الحاقة : ١٩-٢١ ] ودعوة الناس إلى القراءة علامة الفرح والنشاط وقوة العزيمة.
وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول ياليتني لم أوت كتابيه ( ٢٥ ) ولم أدر ما حسابيه ( ٢٦ ) يا ليتها كانت القاضية ( ٢٧ ) ما أغنى عني ماليه ( ٢٨ ) هلك عني سلطانيه [ الحاقة : ٢٥-٢٩ ].
ولا شك أن هذا قول المخذول الكاره لما عرض عليه.
والخلاصة : إن إيتاء الكتاب باليمين، أو باليسار أو من وراء الظهر تصوير لحال المطلع على أعماله في ذلك اليوم، فمن الناس من إذا كشف له عمله ابتهج واستبشر وتناول كتابه بيمينه، ومنهم من إذا تكشفت له سوابق أعماله عبس وبسر وأعرض عنها وأدبر، وتمنى لو لم تكشف له، وتناولها باليسار أو من وراء الظهر، وحينئذ يدعو واثبوراه، أي يا هلاك أقبل فإني لا أريد أن أبقى حيا، علما منه بأن ذلك داع إلى طول العذاب، وأنه سيدخل النار ويقاسي سعيرها.
تفسير المراغي
المراغي