ﮨﮩﮪ

قوله : والذي قَدَّرَ فهدى ؛ قرأ الكسائيُّ وعليٌّ - رضي الله عنه(١) - والسلميُّ :«قدر » بتخفيف الدال، والباقون : بالتشديد.
والمعنى : قدر كل شيء بمقدار معلوم.
ومن خفف، قال القفَّال(٢) : معناه : ملك فهدى، وتأويله : انه تعالى خلق كل شيء، فسوى، وملك ما خلق، أي تصرف فيه كيف شاء وأراد هذا هو الملك، فهداه لمنافعه ومصالحه.
ومنهم من قال : إنهما لغتان بمعنى واحدٍ، وعليه قوله تعالى : فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ القادرون [ المرسلات : ٢٣ ] بالتشديد والتخفيف، وقد تقدم.

فصل في معنى الآية


قال مجاهدٌ : قدَّر الشقاوة والسعادة، وهدى للرشد والضلالة، وعنه : هدى الإنسان للسعادة والشقاوة، وهدى الأنعام لمراعيها(٣).
وقيل : قدَّر أقواتهم وأرزاقهم، وهداهم لمعاشهم وإن كانوا أناساً، ولمراعيهم إن كانوا وحوشاً.
وعن ابن عبَّاسٍ والسديِّ ومقاتلٍ والكلبيِّ في قوله تعالى :«فَهدَى » : عرف خلقه كيف يأتي الذكرُ الأنثى، كما قال تعالى في سورة «طه » : أعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هدى [ طه : ٥٠ ]، أي : الذكر للأنثى(٤).
وقال عطاء : جعل لكل دابَّة ما يصلحها، وهداها له(٥).
وقيل :«قدَّر فَهَدى » أي : قدّر لكل حيوانٍ ما يصلحه، فهداهُ إليه، وعرفه وجه الانتفاع به، يقال : إن الأفعى إذا أتت عليها ألفُ سنة عميت، وقد ألهمها الله تعالى، أن مسح العينين بورق الرازيانج الغض، يرد إليها بصرها، فربما كانت في بريَّة بينها وبين الريف مسيرة أيام، فتطوى تلك المسافة على طولها، وعماها، حتى تهجم في بعض البساتين على شجرة الرَّازيانج، لا تخطئها، فتحك بها عينها، فترجع باصرة بإذن الله تعالى.
[ وهدايات الإنسان إلى أن مصالحه من أغذيته وأدويته، وأمور دنياه ودينه وإلهامات البهائم والطيور، وهوام الأرض باب ثابت واسع، فسبحان ربي الأعلى ](٦).
وقال السديُّ : قدَّر مدة الجنين في الرحم، ثم هداه إلى الخروج من الرحم(٧).
وقال الفراء :«قدَّى فهَدى » أي : وأضل، فاكتفى بذكر أحدهما، كقوله : سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر [ النحل : ٨١ ]، ويحتمل أن يكون بمعنى «دَعَا » إلى الإيمان كقوله تعالى : وَإِنَّكَ لتهدي إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [ الشورى : ٥٢ ] أي لتدعو وقد دعا الكل إلى الإيمان ](٨).
وقيل :«فَهَدَى » أي : دلَّهم بأفعاله على توحيده وكونه عالماً قادراً.
واعلم أن الاستدلال بالخلق وبالهدى، هي معتمد الأنبياء.
قال إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - : الذي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ [ الشعراء : ٧٨ ].
وقال موسى - عليه الصلاة والسلام - لفرعون : رَبُّنَا الذي أعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هدى [ طه : ٥٠ ]، وقال هنا ذلك، وإنما خصت هذه الطريقة لوضوحها وكثرة عجائبها.
١ ينظر: السبعة ٦٨٠، والحجة ٦/٣٩٨، وإعراب القراءات ٢/٤٦٦، وحجة القراءات ٧٥٨، والقرطبي ٢٠/١٢..
٢ ينظر: الفخر الرازي ٣١/١٢٦..
٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٥٥٤٣)، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٥٦٦)، وزاد نسبته إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم..
٤ ذكره الماوردي في "تفسيره" (٦/٢٥٢) عن السدي وذكره القرطبي (٢٠/١٢)، عن ابن عباس والسدي ومقاتل والكلبي..
٥ ذكره القرطبي في "تفسيره" (٢٠/١٢)، عن عطاء..
٦ سقط من: ب..
٧ ذكره الماوردي في "تفسيره" (٦/٢٥٢)..
٨ سقط من ب..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية