ﭽﭾﭿﮀ ﮂﮃﮄ ﮆﮇ ﮉﮊﮋ ﮍﮎﮏﮐ ﮒﮓﮔﮕﮖﮗ ﮙﮚﮛﮜﮝﮞ

٢- إثبات وحدانية اللَّه وقدرته وحكمته وعلمه بدليل خلق السماء والإبل والجبال والأرض وغيرها من عجائب الصنعة الإلهية.
٣- ختمت السورة الكريمة بخاتمة تشبه خاتمة السورة المتقدمة وهي تذكير الناس بالرجوع إلى اللَّه عز وجل للحساب والجزاء، وأمر الرسول صلّى اللَّه عليه وسلّم أصالة بالتذكير بما أنزل إليه من الشرائع والأحكام.
فضلها:
تقدم في فضل السورة السابقة ما
أخرجه مسلم وأهل السنن عن النعمان بن بشير: أن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم كان يقرأ ب سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، والغاشية في الجمعة والعيدين.
وأخرج الإمام مالك ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن النعمان بن بشير أيضا: بم كان رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم يقرأ في الجمعة مع سورة الجمعة؟
قال: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ.
هول القيامة وأحوال أهل النار
[سورة الغاشية (٨٨) : الآيات ١ الى ٧]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ (١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ (٢) عامِلَةٌ ناصِبَةٌ (٣) تَصْلى ناراً حامِيَةً (٤)
تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥) لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلاَّ مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧)
الإعراب:
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ المرفوع مبتدأ، وجاز الابتداء به وإن كان نكرة لوقوعه في موضع التنويع. وقيل: لأن تقدير الكلام أصحاب وجوه، والخبر ما بعد، والظرف متعلق به.
لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ صفة للطعام أو للضريع.
البلاغة:
هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ؟ أسلوب التشويق والتهويل، وهو استفهام أريد به التقرير ولفت النظر إلى هذا الحديث.

صفحة رقم 203

وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ أي أصحابها وهم الكفار، فهو مجاز مرسل بإطلاق الجزء وهو الوجوه وإرادة الكل وهي الذوات.
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ، عامِلَةٌ ناصِبَةٌ ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ، لِسَعْيِها راضِيَةٌ فيهما مقابلة بين وجوه الأبرار ووجوه الفجار.
المفردات اللغوية:
الْغاشِيَةِ يوم القيامة، وهي الداهية التي تغشى الناس بشدائدها وأهوالها. خاشِعَةٌ ذليلة. عامِلَةٌ ناصِبَةٌ تعمل عملا في الدنيا، تتعب فيه وهو لا ينفعها يومئذ، أو تتعب في النار بجر السلاسل والأغلال وخوضها، فقوله: ناصِبَةٌ تعبة من (نصب فلان) : تعب، والنصّب:
التعب، ومنه قوله تعالى: فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ [الانشراح ٩٤/ ٧] أي إذا فرغت من الصلاة، فاتعب في الدعاء. تَصْلى ناراً تدخلها، يقال: صلي النار: قاسى حرها، وقرئ تصلى: بضم التاء. حامِيَةً متناهية في الحر. مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ العين: ينبوع الماء، والآنية: الشديدة الحرارة. ضَرِيعٍ نوع من الشوك لا ترعاه دابة لخبثه وضره وشدة مرارته، أما الرطب منه وهو الشّبرق فترعاه الإبل ما دام رطبا، والمراد: طعامهم مما يتحاماه الإبل ويتعافاه. لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ لا يتحقق به أحد هذين الأمرين المقصودين من الطعام.
التفسير والبيان:
هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ؟ أي هل بلغك يا محمد حديث القيامة وعلمت خبره، وسميت غاشية: لأنها تغشى الخلائق بأهوالها وأفزاعها، والمراد: لم يأتك سابقا حديث هذه الداهية، وقد أتاك الآن فاستمع، فلا يراد من التعبير حقيقة الاستفهام، وإنما يراد منه تشويق السامع إلى استماعه، وتعجيبه مما سيذكر بعده. والمعنى: قد جاءك يا محمد حديث الغاشية.
ثم ذكر أحوال الناس فيه وانقسامهم إلى فريقين: أشقياء وسعداء، وبدأ بوصف الأشقياء لأن مبني السورة على التخويف، كما ينبئ عنه لفظ الغاشية، فقال:
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ، عامِلَةٌ ناصِبَةٌ أي أصحاب وجوه، والمراد

صفحة رقم 204

بالوجه الذات، أي أصحابها، وأصحاب الوجوه وهم الكفار، تكون في ذلك اليوم ذليلة خاضعة لما هي فيه من العذاب، ونسب الخشوع والذل إلى الوجوه لأن أثره يظهر عليها، ونظير ذلك قوله تعالى: وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ [السجدة ٣٢/ ١٢] وقوله: وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ، يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ [الشورى ٤٢/ ٤٥].
وقد كان أصحابها في الدنيا يعملون عملا كثيرا، ويتعبون أنفسهم في العبادة، ولا أجر لهم عليها لما هم عليه من الكفر والضلال والإيمان باللَّه تعالى ورسوله صلّى اللَّه عليه وسلّم شرط قبول الأعمال. والآية في القسّيسين وعبّاد الأوثان وكل مجتهد نشط في كفره «١».
ثم ذكر جزاء هؤلاء في يوم القيامة:
تَصْلى ناراً حامِيَةً، تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ، لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ، لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ أي تدخل تلك الوجوه نارا شديدة الحرارة، وتقاسي حرها، وتعذب بها، لخسارة أعمالها، وتسقى إذا عطشوا من ماء عين أي ينبوع، آنية، أي متناهية في حرها، فهي لا تطفئ لهم عطشا.
وليس لهم طعام يتغذون به إلا الضريع: وهو شوك يابس شديد المرارة والضر، يقال له في لغة أهل الحجاز الشّبرق إذا كان رطبا، فإذا يبس فهو الضريع، وهو سم، وشر الطعام، وأبشعه وأخبثه.
ولا يحصل به مقصود ولا يندفع به محذور، فلا يسمن آكله، ولا يدفع عنه الجوع. وإنما قدم المشروب على الضريع المطعوم لأن الماء لأهل النار أهم، ويغلب عليهم العطش إذا أثر فيهم حر النار.

(١) البحر المحيط: ٨/ ٤٦٢

صفحة رقم 205

وهناك طعام آخر لأهل النار وهو الغسلين والزقّوم، قال تعالى: وَلا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ [الحاقة ٦٩/ ٣٦] وقال: إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ [الدخان ٤٤/ ٤٣- ٤٤].
ذكر الحافظ أبو بكر البرقاني عن أبي عمران الجوني قال: مرّ عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه بدير راهب، فناداه: يا راهب، فأشرف، فجعل عمر ينظر إليه ويبكي، فقيل له: يا أمير المؤمنين، ما يبكيك من هذا؟ قال: ذكرت قول اللَّه عز وجل في كتابه: عامِلَةٌ ناصِبَةٌ، تَصْلى ناراً حامِيَةً فذاك الذي أبكاني.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١- القيامة يوم رهيب، يغشى الناس فيه غاشية شديدة من الأهوال والمخاوف.
٢- تكون وجوه الكفار في ذلك اليوم ذليلة بالعذاب، خاضعة للعقاب، وقد كان أصحابها في الدنيا يعملون ويتعبون أنفسهم لأن الآخرة ليست دار عمل، مثل عبدة الأوثان وأصحاب الصوامع والرهبان وغيرهم، خشعت وجوههم للَّه، وعملت ونصبت في أعمالها من غير نفع لهم في الآخرة لأن أعمالهم مبنية على غير أساس من الدين الحنيفي القائم على التوحيد الخالص والإخلاص الكامل للَّه عز وجل، واللَّه تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا له، قال تعالى واصفا عمل هؤلاء: قُلْ: هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا: الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً، أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ، فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ، فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً، ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا، وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً [الكهف ١٨/ ١٠٣- ١٠٦].

صفحة رقم 206

٣- ومكانهم هو النار الشديدة الحر، ومشروبهم هو مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ أي من ينبوع ماء متناه في الحرارة، ومطعومهم الضريع الذي لا يسمن آكله، ولا يدفع الجوع عنه. جاء في الخبر عن ابن عباس: (الضريع: شيء يكون في النار يشبه الشّوك، أمرّ من الصبر، وأنتن من الجيفة، وأشد حرّا من النار) «١».
وقال العلماء: إن للنار دركات، وأهلها على طبقات فمنهم من طعامه الزّقوم، ومنهم من طعامه غسلين، ومنهم من طعامه ضريع، ومنهم من شرابه الحميم، ومنهم من شرابه الصّديد: لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ [الحجر ١٥/ ٤٤]. ووجود النبت في النار ليس ببدع من قدرة اللَّه، كوجود بدن الإنسان والعقارب والحيات فيها.
قال المفسرون: لما نزلت هذه الآية: لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ قال المشركون على سبيل التعنت: إن إبلنا لتسمن بالضّريع، فنزلت:
لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ أي ليس فيه منفعة الغذاء، ولا الاسمان ودفع الجوع.
وهذا دليل على أن طعامهم ليس من جنس طعام الإنس، ولكن من جنس الشوك الذي ترعاه الإبل ما دام رطبا، فإذا يبس، نفرت عنه لأنه سم قاتل.
ودليل أيضا على تكذيب اللَّه لهم في قولهم: «يسمن الضريع».
والخلاصة: أن وصف أحوال النار على النحو المذكور يستدعي الفرار منه، وإبعاد النفس عن موجبات هذا العذاب، من العقيدة الفاسدة، والعمل الخاسر، ولا عقيدة صحيحة إلا بتوحيد اللَّه والإيمان بالقرآن والرسول محمد صلّى اللَّه عليه وسلّم، ولا عمل مقبول إلا على وفق ما جاء به الإسلام. ولا أقول هذا لأني مسلم، وإنما هذا الذي صح دليله.

(١) تفسير القرطبي: ٢٠/ ٣٠

صفحة رقم 207

التفسير المنير

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر المعاصر - دمشق
سنة النشر 1418
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية